التعاطف بين الجنسين يعد من أكثر المواضيع إثارة للجدل والنقاش في الأوساط العلمية والاجتماعية على حد سواء، حيث أظهرت الأبحاث والدراسات العلمية الحديثة أن المفاهيم التقليدية السائدة والراسخة في الأذهان حول الرحمة والمشاعر الرقيقة بدأت تتغير وتتفكك بشكل تدريجي لتشكل في النهاية فهماً جديداً وأكثر عمقاً لطبيعة الرجال وسلوكياتهم.
ورغم وجود الكثير من القناعات التاريخية القديمة والآراء الموروثة التي تفرض قيوداً صارمة على أدوار المرأة والرجل في المجتمع، لا يزال التحيز الجندري مستمراً بوضوح في كيفية تعريف الكفاءة والقدرة على القيادة الفعالة.
فالمجتمع الإنساني يميل عموماً وبشكل تلقائي إلى اعتبار العطف والرحمة صفة طبيعية غريزية تولد لدى النساء، بينما يُنظر إلى الحزم والقوة والرغبة في الإدارة والسيطرة كسمات ذكورية وثيقة الصلة بالرجال وحدهم.
وتسهم هذه الرؤية النمطية في رسم مسارات محددة مسبقاً لكلا الجنسين، مما يؤثر بشكل مباشر على تقييم أدائهم في مختلف مجالات الحياة العملية والشخصية؛ حيث يُنظر للرجل الذي يبدي مرونة وعاطفة في بعض المواقف على أنه يظهر علامات ضعف، في حين تُتهم المرأة الحازمة بالخروج عن طبيعتها الأنثوية المعتادة.
الهرمونات والجينات
تستخدم الهيئات العلمية والمختبرات البحثية اختبارات متعددة وطرقاً مبتكرة ومتنوعة لقياس مستويات التعاطف بين الجنسين بدقة، وغالباً ما تسجل النساء درجات أعلى ونقاطاً متقدمة في تلك التقييمات القائمة على أداء مهام محددة أو الإجابة عن استبيانات نفسية دقيقة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير النفسي الشهير سيمون بارون كوهين، من جامعة كامبريدج العريقة، أن دماغ المرأة مهيأ تركيبياً وبيولوجياً بشكل طبيعي للاهتمام بالآخرين ورعايتهم وفهم مشاعرهم، بينما يركز دماغ الرجل في تصميمه الأساسي على فهم وبناء الأنظمة وتحليلها.
لمعرفة المزيد: متوسط عمر النساء يتفوق عالمياً على الرجال بفارق يصل إلى خمس سنوات

وقد ربطت دراسة علمية دقيقة وموسعة أجريت عام 2006 م بين ارتفاع هرمون التستوستيرون لدى الأجنة الذكور أثناء فترة الحمل وتراجع هذه السمة الإنسانية لديهم مستقبلاً في مراحل حياتهم المتقدمة، حيث جاءت أبحاث أخرى لاحقة عام 2007 م لتؤكد بشكل قاطع وجود علاقة عكسية واضحة ومباشرة بين زيادة معدلات هذا الهرمون وانخفاض مستويات التعاطف بين الجنسين.
كما كشفت دراسة مقارنة واسعة النطاق حول التعاطف بين الجنسين شملت 57 دولة حول العالم أن الفوارق السلوكية ليست حتمية أو مطلقة من الناحية الجينية، إذ تفوقت النساء في 36 دولة فقط من الدول الخاضعة للبحث، بينما تقاربت النتائج الإحصائية تماماً وبدت متشابهة في 21 دولة أخرى، مما يفتح الباب أمام عوامل أخرى غير البيولوجيا.
التنشئة الاجتماعية
تؤكد الأبحاث والدراسات الميدانية أن المظاهر المرتفعة للمشاعر والرحمة لدى الإناث لا تولد معهن بالكامل وليست مجرد جينات متوارثة، بل تعود بشكل أساسي وجوهري إلى أسلوب التربية والتنشئة الاجتماعية الذي يوجه الفتيات منذ الصغر للاهتمام بمتطلبات المحيطين بهن وتلبية احتياجات الأطفال والأسرة.
ويظهر هذا بوضوح في نوعية الألعاب والعرائس المخصصة للفتيات الصغيرات والتي ترتبط غالباً بمفاهيم الأمومة والرعاية المنزلية والطبخ، بينما يحصل الفتيان في المقابل على ألعاب تعتمد على الحركة والقوة والمغامرة مثل السيارات والقطارات وأدوات البناء.
قد يعجبك: علاج قلق الأطفال: دليل الوالدين للتعامل مع الخوف والتوتر

وتشير عالمة الأعصاب البارزة جينا ريبون إلى أن الفتيات الصغيرات يُطالبن دائماً ومنذ طفولتهن الباكرة باللطف والهدوء وتجنب إظهار أي سلوك عنيف أو وقاحه، مما يعيد تشكيل سلوكهن وطريقة تفكيرهن بمرور الوقت ويؤثر بشكل تراكمي على نتائج رصد التعاطف بين الجنسين عند الكبر.
وفي المقابل من هذه النظرية البيولوجية، يرى الباحث نيثان سبرينغ، من جامعة ماكجيل في كندا، أن هذه المشاعر الإنسانية النبيلة والقدرة على فهم الآخرين هي في الأصل مهارة اجتماعية وعقلية قابلة للتعلم والممارسة والاكتساب المستمر وليست صفة بيولوجية جامدة أو حتمية لا يمكن تعديلها.
التغير المجتمعي
تتأثر بيئات العمل والتوظيف وصناعة القرار بشكل بالغ بمدى تقييم المجتمع لمسألة التعاطف بين الجنسين، حيث تُستبعد النساء أحياناً من تولي المناصب القيادية العليا والوظائف الحساسة بسبب ربط مفهوم الإدارة الناجحة تاريخياً بصفات القوة البدنية والحزم والجرأة والقدرة على اتخاذ القرارات المصيرية الصعبة، وهي صفات تنسب عادة للرجال.
ومن ناحية أخرى، أظهرت الدراسات فارقاً كبيراً في التعامل مع الضغوط النفسية؛ إذ تبحث النساء بشكل فعال عن الدعم والمؤازرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والروابط الأسرية عند الشعور بالوحدة، في حين يميل الرجال غالباً إلى العزلة التامة والانفصال عن محيطهم الاجتماعي، مما يرفع نسب ومعدلات الانتحار والاضطرابات النفسية بينهم بشكل ملحوظ وقاسٍ.
قد يهمك: الصحة النفسية: سر غائب خلف ستار القلق يسرق منك أجمل فترات حياتك!

ومع ذلك، يشهد المجتمع الإنساني المعاصر في الآونة الأخيرة تحولاً إيجابياً وملحوظاً في مستويات ومفاهيم التعاطف بين الجنسين؛ إذ يوضح الباحث الاجتماعي نيال هانلون أن النظرة التقليدية السائدة للأبوة ومسؤولياتها بدأت تتغير وتتطور بشكل متسارع، حيث بات الكثير من الرجال والآباء في الجيل الحالي ينخرطون بفعالية ووعي كامل في تقديم الرعاية المباشرة للأسرة والمشاركة في الأعمال المنزلية، ويقضون أوقاتاً أطول بكثير في تربية أطفالهم والجلوس معهم مقارنة بالفترات والأجيال السابقة التي كانت تضع عبء الرعاية كاملاً على عاتق الأم.






