التعايش مع الفيروس يمثل رحلة كفاح مريرة وتجربة إنسانية استثنائية تجسدها قصة السيدة الكينية مارغريت لافونجا (55 عاماً)، والتي خاضت معركة شرسة ضد مرض نقص المناعة المكتسب (HIV) لأكثر من ثلاثة عقود، محولةً آلامها وعزلتها إلى نموذج ملهم في الصمود وتحدي نظرة المجتمع السلبية لعام 2026 م.
واكتشفت مارغريت إصابتها بالفيروس في نهاية التسعينيات أثناء فترة حملها، في وقت كان يفتقر فيه المجتمع الكيني إلى الوعي الصحي الكافي حول طبيعة المرض، حيث كانت الملصقات التوعوية تنتشر في كل مكان حاملةً صوراً مرعبة للجماجم والعظام، مما جعلها تعتقد للوهلة الأولى أن الموت يتربص بها في اليوم التالي مباشرة.
معاناة وتمييز
التعايش مع الفيروس في تلك الحقبة الزمنية كان يقترن بوصمة عار مجتمعية وتفرقة قاسية حتى داخل المؤسسات الطبية، حيث عانت مارغريت من العزلة والنبذ أثناء ولادتها في المستشفى عام 1999 م بسبب خوف الطواقم الطبية والمحيطين بها من الاقتراب منها، تزامناً مع غياب العلاجات المضادة للفيروسات في كينيا آنذاك.
وتضاعفت أحزان الأم الشابة عقب وفاة طفلها الرضيع بعد شهرين فقط من ولادته، لتدخل بعدها في انتكاسة صحية حادة ألزمتها الفراش لمدة عامين كاملين دون القدرة على الحركة، حيث تولت شقيقتها رعايتها وتأمين متطلباتها الأساسية وسط تدهور شديد في وزنها الذي نقص بمقدار 34 كيلوغراماً حتى بدا لأسرتها أن الموت بات وشيكاً.
لمعرفة المزيد: استعدادات مكثفة بوزارة الصحة الصومالية لمواجهة إيبولا

بارقة أمل
التعايش مع الفيروس شهد تحولاً جذرياً في حياة مارغريت بعد أن أصبحت واحدة من أوائل المرضى المستفيدين من الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية (ARVs) عند دخولها كينيا، ورغم أن الجيل الأول من تلك العلاجات كان قوياً للغاية ويحمل أعراضاً جانبية معقدة كالأحلام المزعجة والهلوسة، إلا أنها أسهمت في إنقاذ حياتها واستعادة عافيتها تدريجياً.
وتستذكر مارغريت مرحلة صعبة توقفت فيها عن تناول الدواء ظناً منها أنها شُفيت تماماً بفضل الصلوات والدعاء، ما أدى لانتكاس حالتها بسرعة فائقة وإصابتها بأمراض انتهازية تهاجم خلايا الدم البيضاء، لتدرك فوراً أهمية الالتزام الصارم بالجرعات اليومية التي تستمر في تناولها بانتظام حتى اليوم لحماية جهازها المناعي.
قد يعجبك: إعلان منظمة الصحة العالمية الطوارئ الدولية بمواجهة تفشي إيبولا

تحديات الشيخوخة
التعايش مع الفيروس مع التقدم في السن يفرض تحديات صحية مضاعفة تفوق الأوضاع الطبيعية، حيث تشير الإحصائيات الرسمية في كينيا إلى وجود 1.4 مليون شخص يتعايشون مع المرض، يمثل كبار السن (فوق 50 عاماً) نحو 27% منهم، وهي الفئة التي تواجه تبعات تراجع المناعة أمام أمراض الشيخوخة المزمنة.
وتوضح مارغريت أنها تعاني حالياً من آلام حادة في المفاصل، وارتفاع ضغط الدم، ومشاكل في الرؤية، وهي أعراض تهاجم المصابين بالفيروس بشكل أعنف مقارنة بالأصحاء، مؤكدة أنها تمر بلحظات ضعف تبكي فيها وحيدة في غرفتها، لكنها تستمد قوتها من الدعم المستمر لأسرتها والمحيطين بها لمواصلة رحلتها اليومية.
قد يهمك: سلامة لحوم الأضاحي.. كيف تؤثر الطرائق الصحية لحفظ الذبائح على صحة المستهلكين؟

وتتلخص رسالة مارغريت، التي تحلم بالوصول إلى عمر 120 عاماً، في توجيه نداء إنساني لكافة المتعايشين مع المرض بضرورة التمسك بالأمل وعدم الاستسلام أو التوقف عن العلاج، داعية إياهم لمواجهة الحياة بشجاعة والوفاة الطبيعية كباراً في السن عوضاً عن الاستسلام للأمراض الناتجة عن إهمال الأدوية.






