السياسة الخارجية الإريترية تمر بمنعطف تاريخي وحاسم، حيث كشفت وثائق داخلية صادرة عن الحكومة الأمريكية عن نية واشنطن رفع العقوبات المفروضة على أسمرة، في خطوة تعكس مدى تأثير التوترات في البحر الأحمر على تغيير التحالفات الدولية. إن هذا التوجه الأمريكي، الذي يأتي في ظل الصراع المستمر مع إيران والاضطرابات التي تهدد ممرات الملاحة العالمية، يضع السياسة الخارجية الإريترية في قلب الاستراتيجية الأمنية الجديدة لمنطقة القرن الأفريقي.
فبعد عقود من العزلة والتوتر، يبدو أن الأهمية الجيوسياسية لإريتريا، بساحلها الطويل المطل على ممرات التجارة الحيوية، قد دفعت الإدارة الأمريكية لإعادة تقييم علاقاتها، مفضلةً لغة المصالح الاستراتيجية على قيود العقوبات التي فُرضت سابقاً بسبب ملفات حقوق الإنسان والنزاعات الإقليمية.
دوافع رفع العقوبات والأهمية الجيوسياسية
يرتبط التحول المفاجئ تجاه السياسة الخارجية الإريترية بمجموعة من المعطيات الميدانية التي جعلت من أسمرة رقماً صعباً في معادلة الأمن الإقليمي:
- تأمين البحر الأحمر: في ظل التحديات القادمة من إيران وإغلاق مضيق هرمز، أصبح البحر الأحمر هو العبور الأكثر أهمية بالنسبة لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، ولذلك أصبح الأمر الأمني الأكثر إلحاحاً بالنسبة لواشنطن هو سيطرة سواحل إريتريا.
- إحباط النوايا الإثيوبية: عن طريق العمل على تعزيز العلاقة مع أسمرة، تحاول أميركا أن تبعث رسالتها الواضحة لرئيس وزراء إثيوبيا، وهي أن أي محاولة لإحكام السيطرة على الموانئ الواقعة تحت سيطرة إريتريا بالقوة العسكرية ستكون غير مقبولة على المستوى الدولي، وبالتالي منع انفجار حرب جديدة في هذه المنطقة.
- الدور الإقليمي: ترغب الولايات المتحدة في التواجد بشكل أكبر في منطقة القرن الأفريقي لمواجهة النفوذ المتزايد للقوى المنافسة، معتبرة أن إنهاء القطيعة مع إريتريا سيمنحها مرونة أكبر في إدارة ملفات السودان والصومال.

خلفيات العقوبات والملف الحقوقي المعقد
السياسة الخارجية الإريترية هي الأخرى محل انتقادات دولية واسعة النطاق، فقد وصفتها منظمات حقوق الإنسان بأنها إحدى أكثر الدول قمعًا في العالم، مُشبهة إياها بالنظام الشمولي لكوريا الشمالية. وإثر ذلك، أصدرت إدارة الرئيس جو بايدن في العام 2021 عقوبات ضد نظام الحزب الحاكم وجيشه بسبب دورهما في المعركة الجارية بين إريتريا وإثيوبيا، واتهمت تلك القوات بالقيام بانتهاكات واسعة انتهت إلى ارتكاب أعمال قتل وخطف. ومن جانب آخر، يبدو أن متطلبات الحرب الأمنية والاستراتيجية في البحر الأحمر قد استحوذت على العناية، مما يمهد الطريق لرفع هذه القيود بقرار تنفيذي يتوقع الإعلان عنه رسمياً في وقت قريب، لينهي حقبة من تجميد الأصول والقيود الدبلوماسية.

الصراع الإقليمي والتوتر مع إثيوبيا
وتشكل السياسة الخارجية الإريترية خصوصية تتمثل في الصراع التاريخي بينها وبين الجارتين، إثيوبيا، حيث عادت العلاقة بين البلدين للتحسن بسبب اتفاقية السلام التي تم توقيعها عام 2018، لتزداد حدة الأزمة بينهما مجدداً بعد انتهاء الحرب الإثيوبية بإقليم تيغراي. وقد جاء التوتر في هذه المرحلة بسبب تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، بشأن الحق الشرعي لإثيوبيا في منفذ بحري، وهو ما أعتبره الأريتريون تحدياً واضحاً لسيادة بلادهم. وهنا، يمكن القول إن سياسة رفع العقوبات الأمريكية تأتي في إطار ضبط المنطقة، حيث حذرت واشنطن الطرفين من مغبة زعزعة استقرار بعضهما البعض، مؤكدة أن دعم استقلال إريتريا وحماية حدودها يمثلان أولوية لمنع حدوث انفجار عسكري شامل قد يؤدي إلى شلل تام في حركة الملاحة الدولية عبر باب المندب.
إقرأ كذلك: مصير أمن البحر الأحمر.. هل يرتبط استقرار القرن الأفريقي بحصول إثيوبيا على منفذ بحري؟

آفاق التعاون المستقبلي وأمن الطاقة
ومع ذلك، فإن العودة المقررة لإريتريا إلى الحظيرة الدولية ستشهد تطورات كبيرة في السياسة الخارجية الإريترية في المجالات المتعلقة بالتعاون العسكري والأمني للحفاظ على أمن الامدادات النفطية العالمية. في ضوء العرقلات التي أصابت ممرات التوريد عبر مضيق هرمز، قد تجد الموانئ الإريترية نفسها في قلب الجهود الدولية الرامية إلى تقديم الدعم اللوجستي للأسطول الدولي المسؤول عن حماية الأسطول التجاري. ومن المتوقع أن تشتمل المفاوضات على تقديم المساعدات التقنية والإستراتيجية الأمريكية لأسمرة مقابل التزاماتها بعدم الانخراط في تحالفات خطرة على الأمن الغربي، ليكون لإريتريا الدور الفاعل كـ “شريك استراتيجي” في الدفاع عن أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
قد يهمك: إريتريا تنسحب من منظمة إيجاد وسط قلق أممي من تصاعد التوتر مع إثيوبي

في الواقع، فقد أثبتت البراغماتية السياسية حصولها على الانتصار النهائي أمام المبادئ التي كانت تحاك في الكواليس بشأن حقوق الإنسان، ويبقى الأمر واضحاً بأنالسياسة الخارجية الإريترية ستتمكن أخيراً من جمع الثمار من خلال الموقع الاستراتيجي الخاص بها والذي لا يمكن تجاوزه في أي استراتيجية لأمن البحر الأحمر. إذ أن رفع العقوبات المتفق عليها لن يكون مجرد تنازلاً من قبل الجانب الأمريكي، بل سيكون اعترافاً بدور أسمرة الرئيسي في تحقيق الاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي. وفي ظل تحولات موازين القوى العالمية، تبقى الملاحظة الرئيسية هي حول القدرة على استغلال هذا القدر الجديد من الانفتاح لتحقيق تنمية داخلية حقيقية، أم أن الأمر سيقتصر على مجرد مقايضة أمنية تضمن بقاء النظام مقابل تأمين ممرات التجارة الدولية من التهديدات الخارجية.






