أطلق رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، سلسلة من التصريحات النارية التي أعادت خلط الأوراق في منطقة القرن الأفريقي، لتفتح من جديد قضية مصير أمن البحر الأحمر. وأكد آبي أحمد أن السلام في الإقليم سيظل بعيد المنال ما لم تحصل إثيوبيا على منفذ بحري سيادي.
وفي حوار مطول مع وسائل الإعلام الرسمية الإثيوبية، شدد آبي أحمد على أن قضية الوصول إلى المياه الدافئة لم تعد مجرد خيار اقتصادي، بل تحولت إلى مسألة “حياة أو موت” في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الحالية التي تهدد أمن البحر الأحمر والممرات المائية الحيوية.
يأتي هذا الخطاب في وقت حساس للغاية، حيث تعاني المنطقة من تداعيات إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، مما تسبب في أزمة وقود خانقة داخل إثيوبيا، دفعت الحكومة لمطالبة مواطنيها بتقنين استهلاك الطاقة بشكل حاد حتى إشعار آخر. السؤال الذي يسأل بها المراقبون هو لماذا يهدد آبي أحمد دول المنطقة وأمن البحر الأحمر؟
عقدة الجغرافيا وتحديات التنمية
يرى آبي أحمد أن افتقار إثيوبيا للموانئ هو العائق الأساسي الذي يمنعها من إطعام مواطنيها وتحقيق الاكتفاء الذاتي والمنافسة في السوق العالمية.
وبحسب رؤيته، فإن الدولة التي تحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث عدد السكان لا يمكنها الاستمرار كدولة حبيسة تعتمد كلياً على جيرانها لتأمين احتياجاتها الأساسية.
إن غياب المنفذ البحري يفرض تكاليف لوجستية باهظة تضعف تنافسية الصناعات الإثيوبية وتجعل الاقتصاد الوطني رهينة لتقلبات السياسة في الدول المجاورة.
ويؤكد آبي أحمد أن تعزيز أمن البحر الأحمر يتطلب وجود لاعبين إقليميين أقوياء ومستقرين مثل إثيوبيا، معتبراً أن تهميش القوى الكبرى في المنطقة لن يخدم استقرار التجارة الدولية على المدى الطويل.
إقرأ كذلك: صوماليلاند تنفي إجراء محادثات مع الصومال وتتهم مقديشو بالتدخل
رسائل للجيران والمجتمع الدولي
في نبرة لم تخلو من التحذير، وجه آبي أحمد رسائل واضحة للدول المجاورة وللعالم بأسره، داعياً إياهم إلى التفكير بعمق في تداعيات حرمان إثيوبيا من حقها الطبيعي في الوصول إلى البحر.
وأشار إلى أن المنطقة الممتدة من مصوع في إريتريا إلى مقديشو في الصومال، بطول يتجاوز 5000 كيلومتر، تزخر بالموارد الهائلة، لكن انعدام الثقة و”الصمت الدولي” يعيقان الاستفادة المشتركة من هذه الثروات.
واعتبر آبي أحمد أن أي شخص يعتقد أن إثيوبيا ستتخلى عن طموحها البحري هو “واهم”، مشدداً على أن هذه القضية يجب أن تُحل عبر المفاوضات السلمية والمناقشات الجادة لضمان مستقبل أفضل للجميع بعيداً عن صراعات الغابة التي تهدد بانهيار الأمن الإقليمي.

الحلول العاجلة والاستراتيجيات البعيدة
أقرت الحكومة الإثيوبية بأنها تعمل على مسارين متوازيين لمواجهة الأزمة الحالية؛ المسار الأول هو حلول قصيرة المدى تهدف إلى تقليل الاعتماد المكثف على ميناء جيبوتي وتخفيض تكاليف النقل عبر إنشاء سكك حديدية ومناطق لوجستية وطرق سريعة متطورة.
أما المسار الثاني فهو الاستراتيجية بعيدة المدى التي تصر على ضرورة الحصول على موطئ قدم على الساحل. ويربط آبي أحمد بين هذا الطموح وبين أمن البحر الأحمر، موضحاً أن غياب إثيوبيا عن الساحة البحرية لن يؤدي فقط إلى تعطل نموها الاقتصادي، بل سيؤدي إلى اضطراب التجارة العالمية وفشل الدول الصغيرة في تحمل مسؤولية حماية الممرات المائية الحساسة أمام التهديدات المتزايدة.
قد يعجبك: صوماليلاند..هل تعترف واشنطن أخيراً بـ”الدولة المعلّقة”؟
ظلال النزاعات الإقليمية وإرث الماضي
تاريخياً، كانت إثيوبيا تمتلك منافذ بحرية عبر ميناء عصب قبل انفصال إريتريا، ومنذ ذلك الحين تحولت إلى أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان. هذا الوضع الجغرافي المعقد خلق توترات مستمرة مع الصومال، خاصة بعد المحاولات الإثيوبية الأخيرة للوصول إلى تفاهمات مع إقليم صوماليلاند المنفصل.
ويرى المراقبون أن عودة آبي أحمد للحديث عن “البحر أو الفوضى” تعكس الضغوط الداخلية الهائلة التي يواجهها، حيث أن أزمات الوقود وارتفاع الأسعار الناتج عن اضطراب أمن البحر الأحمر وضع حكومته في موقف صعب، مما جعله يرفع سقف المطالب السياسية لتوجيه الأنظار نحو الخارج والبحث عن حل جذري للمأزق الجغرافي الإثيوبي.

التداعيات على استقرار القرن الأفريقي
إن الربط بين البحر والسلام في خطاب آبي أحمد يثير مخاوف حقيقية من انزلاق المنطقة نحو صراعات جديدة. فبينما تطالب إثيوبيا بحقوقها التجارية، ترى دول الجوار في هذه المطالب تهديداً لسيادتها ووحدتها الترابية.
إن تحقيق التوازن بين طموحات أديس أبابا وبين مخاوف مقديشو وأسمرة يتطلب دبلوماسية رفيعة المستوى وتدخلات دولية تضمن أمن البحر الأحمر دون المساس بحدود الدول القائمة.
ودون هذا التوازن، فإن “الغابات” التي حذر منها آبي أحمد قد تتحول إلى ساحات قتال تستنزف موارد المنطقة وتعرقل جهود التنمية التي ينشدها الجميع في واحد من أكثر أقاليم العالم فقراً واضطراباً.
قد يهمك: العلاقات الصينية الصومالية في المجال العسكري.. ماذا يقف وراء هذا التعاون؟

يضع آبي أحمد العالم أمام حقيقة قاسية وهي أن استقرار إثيوبيا هو ركيزة استقرار القرن الأفريقي بالكامل. ومن خلال الربط بين الاقتصاد والأمن القومي وبين أمن البحر الأحمر، يحاول رئيس الوزراء الإثيوبي تحويل قضية الموانئ من شأن محلي إلى قضية دولية تتطلب حلاً عاجلاً.
ومع استمرار الحرب في الشرق الأوسط وتزايد التهديدات للملاحة الدولية، يبدو أن إثيوبيا لن تكتفي بمقعد المتفرج، بل ستسعى بكل ثقلها لتغيير واقعها الجغرافي، سواء عبر مفاوضات السلام أو عبر فرض واقع جديد قد يغير وجه المنطقة للأبد.






