رجل أُجبر على نبش قبر والده تحت تهديد السلاح هي المأساة التي لخصت واقع الحال في قرية “عجّة” بمدينة جنين، حيث عاشت عائلة عسعس لحظات مريرة تفوق الاحتمال البشري.
فبعد وقت قصير من مواراة جثمان والدهم “حسين عسعس” (80 عاماً) الثرى، فوجئ الأبناء بمجموعة من المستوطنين المسلحين يقتحمون المقبرة ويشرعون في نبش القبر الجديد باستخدام معدات ثقيلة. وتحت وطأة الترهيب، وجد الأبناء أنفسهم أمام خيار وحيد ومرير، وهو نبش القبر بأيديهم لنقل جثمان والدهم إلى مكان آخر، في مشهد يجسد تجرد الاحتلال من أدنى قيم الإنسانية واحترام كرامة الموتى، وسط صمت مطبق من القوات الإسرائيلية التي اكتفت بمراقبة المشهد دون تدخل.
تفاصيل الجريمة وترهيب عائلة عسعس في المقبرة
ارتبطت واقعة رجل أُجبر على نبش قبر والده تحت تهديد السلاح بعودة المستوطنين المتطرفين إلى مستوطنة “صانور” المخلاة، والتي تقع على تلة تطل مباشرة على مقبرة القرية. وتكشف تفاصيل الحادثة عن حجم الضغط النفسي والترهيب الذي مارسه المستوطنون:
- اقتحم المستوطنون المقبرة بأسلحة أوتوماتيكية وهددوا الأبناء بعبارات صريحة: “إما أن تخرجوا الجثة بأنفسكم أو سنخرجها نحن ونلقيها”، بحجة أن القبر يقع في منطقة يعتبرونها تابعة لنفوذهم الاستيطاني.
- رغم أن الابن “محمد عسعس” قد نسق مسبقاً مع الارتباط العسكري لضمان دفن والده بسلام، إلا أن المستوطنين ضربوا بكل الأعراف عرض الحائط وهاجموا القبر بعد أقل من نصف ساعة على رحيل المشيعين.
- أظهرت توثيقات ميدانية الأبناء وهم يحملون جثمان والدهم الملفوف بالكفن الأبيض ويهبطون به من الجبل تحت أنظار المستوطنين المسلحين، في رحلة بحث مؤلمة عن مقبرة بديلة توفر للراحل السكينة التي حُرم منها في أرضه.
قد يعجبك: هل تنجح قرارات تيسير تكاليف الزواج في حماية الشباب الصومالي من الفساد الاجتماعي؟

التوسع الاستيطاني وشرعنة العنف ضد المدنيين
تأتي قصة رجل أُجبر على نبش قبر والده تحت تهديد السلاح كجزء من سياسة ممنهجة تتبعها حكومة الاحتلال لشرعنة البؤر الاستيطانية وتوسيعها على حساب حقوق الفلسطينيين. فمنذ إعادة استيطان “صانور”، تحولت المنطقة المحيطة، بما فيها حقول الزيتون والمقابر التاريخية، إلى ما يشبه الثكنات العسكرية التي يُمنع أصحاب الأرض من الوصول إليها. ويرى مراقبون أن الضوء الأخضر الممنوح للمستوطنين من قبل وزراء متطرفين في الحكومة، قد دفعهم لتجاوز الخطوط الحمراء والاعتداء ليس فقط على الأحياء وممتلكاتهم، بل حتى على حرمة القبور، مما يحول الصراع إلى مواجهة وجودية تستهدف استئصال الوجود الفلسطيني بشتى الوسائل.
اقرأ كذلك: طريقة عمل الملوح الصومالي العريق.. من موائد الأباطرة إلى بيوت البسطاء

إدانات أممية وتصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة
أثارت واقعة رجل أُجبر على نبش قبر والده تحت تهديد السلاح ردود فعل دولية غاضبة، حيث وصف مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الحادثة بأنها “جريمة مروعة ترمز إلى استباحة كرامة الفلسطينيين”. وصرح مسؤولون أمميون بأن هذه الاعتداءات تعكس غياب المحاسبة، حيث “لا يرحم هؤلاء المستوطنون أحداً، لا الأحياء في بيوتهم ولا الأموات في قبورهم”. وتأتي هذه الحادثة تزامناً مع تصاعد وتيرة العنف الاستيطاني في الضفة الغربية، والذي شمل حرق الممتلكات واقتلاع الأشجار والاعتداء المباشر بالرصاص، في ظل انشغال الرأي العام العالمي بأزمات أخرى، مما يترك الفلسطينيين وجهاً لوجه أمام اعتداءات لا تراعي ديناً ولا قانوناً.
قد يهمك: هل تنجح قرارات تيسير تكاليف الزواج في حماية الشباب الصومالي من الفساد الاجتماعي؟

في نهاية المطاف، وُوري جثمان حسين عسعس الثرى في مقبرة بقرية مجاورة، بعيداً عن أيدي المستوطنين ومعاولهم. إلا أن هذه الحادثة ستبقى محفورة في الوجدان الفلسطيني كدليل دامغ على بشاعة الاحتلال الذي يلاحق الإنسان حتى بعد رحيله عن الدنيا. إن نبش القبور ليس مجرد اعتداء عابر، بل هو محاولة لكسر الروح المعنوية للأهالي وتهجيرهم من أرضهم عبر خلق بيئة من الرعب الدائم. ومع ذلك، يظل صمود عائلة عسعس وتمسكها بكرامة والدهم رسالة قوية للعالم بأن الحق الفلسطيني لن يُدفن، وأن الإرادة الشعبية أقوى من تهديدات السلاح وجرافات الاستيطان.






