اتفاق واشنطن الأخير المبرم مع طهران شكل صدمة سياسية ودبلوماسية كبرى لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث تحول هذا التفاهم المفاجئ إلى كابوس حقيقي يهدد مستقبله القيادي ويهدم الركائز الثلاث التي اعتمد عليها طوال مسيرته لتسويق نفسه كحامٍ أول لأمن إسرائيل قبل أشهر قليلة من انطلاق الانتخابات العامة.
وجاءت هذه الضربات المتتالية لتعزل رئيس الوزراء الإسرائيلي داخل حلبة السياسة الدولية بعد أن تجاوزه حليفه الأكبر في البيت الأبيض، مما وضعه في موقف حرج أمام الرأي العام الداخلي الذي بات يتساءل عن مدى تأثير وقدرة القيادة الحالية على توجيه القرارات الدولية لعام 2026 م.
عزلة نتنياهو
اتفاق واشنطن تسبب في نسف الصورة الذهنية التي طالما رسمها نتنياهو لنفسه كخبير وموجه أول للسياسات الخارجية في الشرق الأوسط، حيث وجد نفسه مستبعداً بالكامل من التفاهمات الأخيرة ومحرجاً بشكل علني أمام حلفائه وخصومه على حد سواء.
لمعرفة المزيد: ممر هرمز.. بوادر انفراجة دبلوماسية تقترب من إعادة فتح الممر الملاحي الدولي

وزاد من حدة هذه الأزمة الانتقادات اللاذعة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنتنياهو، معتبراً إياه مفتقراً للرؤية السديدة والحكمة السياسية عندما أصدر أوامره بشن هجوم عسكري على العاصمة اللبنانية بيروت، وهو ما استغلته المعارضة الإسرائيلية بقيادة يائير لبيد لشن هجوم برلماني عنيف ضده.
شروط طهران
اتفاق واشنطن فرض واقعاً ميدانياً معقداً ترفضه الأوساط الأمنية والعسكرية في تل أبيب، إذ تصر إيران على أن يشمل وقف إطلاق النار وتهدئة العمليات العسكرية كافة الجبهات المحيطة بإسرائيل بما في ذلك وقف الهجمات المستمرة ضد معاقل حزب الله في لبنان.
وأثار هذا الشرط الإيراني غضب وزراء اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، حيث صرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير علناً بأن هذا القرار تم صياغته وإبرامه من قبل ترامب ولا يلزم إسرائيل في شيء كونه لا يضمن أمنها، في حين أشار نواب من حزب الليكود إلى أن الحروب والصدامات المستمرة لم تضعف نفوذ الخصوم بل منحتهم أوراق قوة إضافية في مضيق هرمز.
قد يعجبك: تكلفة حرب إيران: المليارات التي تكبدتها أمريكا في الصراع الأخير

خيارات صعبة
اتفاق واشنطن وضع القيادة الإسرائيلية أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الدخول في مواجهة دبلوماسية مباشرة ومدمرة مع الحليف الأمريكي الأكبر، أو القبول بالوضع الحالي والانصياع للشروط التي تفرضها القوى الإقليمية مما يمثل تراجعاً صريحاً يضر بالعمق الاستراتيجي لإسرائيل.
وفي محاولة لصد هذه التهم والدفاع عن تاريخه السياسي، أكد نتنياهو في مؤتمر صحفي عقده في القدس أنه كرس حياته لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، مشدداً على أن قواته ستبقى في المنطقة العازلة داخل لبنان ولن تنسحب منها رغم الضغوط الدولية، متمسكاً بحق بلاده في حرية الحركة والرد العسكري عند حدوث أي تهديد.
قد يهمك: العلاقات الأميركية الإيرانية.. 4 عوامل تهدد بانهيار الهدنة واشتعال حرب شاملة في الشرق الأوسط

تقييم الاستراتيجية
اتفاق واشنطن دفع الخبراء والمحللين الأمنيين في إسرائيل إلى المطالبة بضرورة إجراء مراجعة شاملة وعاجلة للاستراتيجية المتبعة تجاه الملف الإيراني، حيث أكد داني سيترينوفيتش، الباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن أي تحرك عسكري إسرائيلي أحادي الجانب قد يُفهم كخطوة لإفشال التهدئة سيواجه برادع أمريكي قوي.
وأضاف الخبراء أن فرص نتنياهو في الالتفاف على الإدارة الأمريكية الحالية باتت ضئيلة جداً مقارنة بالحقبة الماضية، مما يضع الجيش الإسرائيلي وقوات الاحتياط تحت ضغط استنزاف عسكري مستمر في غزة ولبنان وسوريا دون وجود أي أفق أو مسار دبلوماسي واضح للخروج من هذه الأزمة الحالية.






