تفاقم الأزمة السياسية في الصومال دخل مرحلة شديدة الخطورة مع اقتراب نهاية الولاية الدستورية للرئيس حسن شيخ محمود في 15 مايو الجاري، حيث شهدت العاصمة مقديشو تجمعات فعلية في مواقع متعددة. وقد اعتمدت المعارضة استراتيجية توزيع الحشود على مناطق مختلفة بدلاً من التمركز في نقطة واحدة لضمان استمرارية الضغط الشعبي، وسط تحذيرات شديدة اللهجة أطلقها الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو للحكومة من محاولة منع الاحتجاجات أو فرض قيود على المتظاهرين. وفي ظل تداول واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي حول إمكانية إغلاق الطرق الرئيسية والمواقع السيادية، يطالب الناشطون الصوماليون بضرورة ضبط النفس وعدم استخدام القوة أو تنفيذ اعتقالات سياسية قد تؤدي إلى انفجار الموقف أمنياً.
المحور السياسي ومعضلة الشرعية الدستورية
ويرتبط تفاقم الأزمة السياسية في الصومال بشكل مباشر بوجود الاختلاف في مرحلة الانتقال، فالتوسع الزمني للرئيس القائم بعد منتصف مايو يعتبر مخالفاً للدستور و غير شرعي. ويمكن تبيان ملامح التدهور السياسي بالنقاط التالية: ترتيبات الاستحقاق الانتخابي، و تزكية المرشحين لولايات “غلمدغ”، و “هيرشبيلي”، و “جنوب الغرب” عن طريق الإيفاد السياسي الغير شفاف بدلاً من انتخاب المرشحين بحرية. بالإضافة إلى الاتهامات الموجهة للسلطة بأخذ المساعدات الدولية لمكافحة الإرهاب في التخلص من أعدائها السياسيين ، الأمر الذي أدى إلى تفاقم رفض الشعبي لسياسات الحكومة الفيدرالية التي يُنظر إليها على أنها تقوض المسار الديمقراطي الهش في البلاد.
إقرأ كذالك: التدخل العسكري التركي في الصومال وقمع المظاهرات.. تحليق طائرات “F-16” فوق مقديشو وتصاعد حدة التوتر السياسي

التسييس العسكري وافتعال الأزمات الإقليمية
تفاقم الأزمة السياسية في الصومال قد أدى بدوره إلى حدوث انحراف في المهمات العسكرية بعيداً عن سياقها الصحيح؛ إذ يتهم الرئيس حسن شيخ محمود بتسخير جهود القوات التي أجريت لها تدريبات عسكرية دولية للقيام بدور الحرس الخاص به ومهاجمة خصومه السياسيين. كما عملت الحكومة الفيدرالية في الصومال على إشاعة الفوضى الأمنية في ولاية “جنوب الغرب”، وذلك بالتزامن مع التهديد بخلق أزمات في كل من ولايتي “بونتلاند” و”جوبالاند”. وقد كشف المراقبون أن هذه الأحداث توفر فرصة ذهبية للتنظيمات الإرهابية مثل ” “حركة الشباب” و”داعش” فرصة ذهبية لتوسيع نفوذها واستغلال الفراغ الأمني الناتج عن الصراعات السياسية البينية.
قد يهمك: تحول مقديشو الأمني.. العاصمة الصومالية تحجز مكانًا ضمن أكثر عواصم أفريقيا أمانًا لعام 2026

الفساد الإداري ونهب الموارد الوطنية
ومن الواضح أن الفساد الواسع الانتشار يعد أحد أسباب تفاقم الأزمة السياسية في الصومال بفضل كثرة التقارير حول الفساد والرشاوى التي تتم من خلال علاقات النفوذ لاختيار الأقارب والأتباع في المناصب السيادية الحساسة. ومن الأمثلة البارزة لتلك التقارير اختيار ابنة الرئيس جيهان مستشارة الرئاسة للأمور الخارجية والعمل مع اختيار الزوج الثاني لإبنته آدم روبلي مدير بنك التنمية والإعادة. هذا بالإضافة إلى تقليل الرئيس لأهمية الخبرات العسكرية والأمنية وتوفيرها بالكامل لإزالة القادة الأمنيين والعسكريين وتقديم الشخصيات العشائرية للحفاظ على ولائهم المطلق بالإضافة إلى استخدام الأموال الدولية من أجل شراء الولاءات العشائرية والسياسية حتى تمر قرار تمديد الولاية الرئاسية.
قد يعجبك: الحراك الشعبي في مقديشو.. استنفار أمني وإعادة هيكلة عسكرية واسعة لمواجهة مظاهرات المعارضة

وإلى جانب هذه المشكلة هناك الاستيلاء على الأراضي الخاصة من قبل المتنفذين في الصومال والاستحواذ عليها ومكاسبها من أجل مصلحتهم الشخصية، مما أدى إلى غضب الشعب وأدى إلى تصعيد المظاهرات الحالية. إن المشهد الحالي يعني أن الصومال قد يصل إلى نقطة تحول في التاريخ؛ فإنها إما أن تتبع مسلكاً قانونياً معترفاً به، أو سيسقط في حالة الفوضى الأمنية بسبب رفض السلطات السير في مسلك مختلف والاعتماد على القوة العسكرية ضد المعارضة. وبسبب اقتراب موعد 15 مايو، تظل الأنظار متجهة نحو مقديشو التي أصبحت ساحة لمواجهة مفتوحة بين إرادة التغيير الشعبي ومساعي التمديد الحكومي التي تهدد أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها.






