التدخل العسكري التركي في الصومال وقمع المظاهرات دخل منعطفاً جديداً ومثيراً للجدل بعد تحليق مقاتلات تركية من طراز “F-16” في أجواء العاصمة مقديشو، تزامناً مع انطلاق احتجاجات واسعة للمعارضة الصومالية. ويرى المحللون أن هذه الخطوة الجريئة تمثل استعراضاً للقوة من قبل أنقرة، وإشارة صريحة إلى دعمها المطلق للرئيس حسن شيخ محمود قبل أيام قليلة من انتهاء ولايته الدستورية. وقد ترافق تحليق الطائرات الحربية التي اخترقت حاجز الصوت فجر الأحد مع انتشار مكثف لآليات عسكرية ومئات الجنود في التقاطعات الحيوية، في محاولة من الحكومة الفيدرالية لمنع المظاهرات التي دعت إليها قوى المعارضة احتجاجاً على ما وصفته بـ “الاستيلاء على الأراضي” والتهجير القسري للمواطنين وتزايد النزعة الاستبدادية في العاصمة.
عسكرة العاصمة وتطويق احتجاجات المعارضة
التدخل العسكري التركي في الصومال وقمع المظاهرات تعكس الاستقطاب الذي يحكم الساحة السياسية، حيث تم استخدام الأسلحة والمعدات العسكرية التي قدمتها تركيا لتعزيز القبضة الأمنية على النشاط الشعبي. فهناك مشاهد لعشرات المركبات العسكرية والدبابات التركية التي تحاصر الشوارع الرئيسية والمواقع الحكومية الهامة في مقديشو، بينما كانت القوات الخاصة في وكالة المخابرات والأمن الوطني (NISA) والشرطة شبه العسكرية تقوم بحصار مساكن أعضاء المعارضة. حيث أكد المحلل الاستراتيجي راشد عبدي أن الطيران العسكري بطائرات F-16 كان يهدف إلى نقل رسائل سياسية ردعية للشعب الصومالي لردعه عن الخروج للشارع دعماً لمجموعة “فيلا صوماليا”، في ظل الغموضالتي تكتنف المستقبل السياسي للبلاد مع اقتراب موعد الخامس عشر من مايو.
إقرأ كذالك: الحراك الشعبي في مقديشو.. استنفار أمني وإعادة هيكلة عسكرية واسعة لمواجهة مظاهرات المعارضة

الانتقادات الحقوقية والسيادة الوطنية المفقودة
التدخل العسكري التركي في الصومال وقمع المظاهرات أثاروا حملة انتقادات شديدة من أكاديميين وعلماء، حيث اتهم السيناتور عبدي إسماعيل سامتر تركيا بأنها تستغل الموارد الصومالية وأنها تقف خلف إدارة غير شرعية. ومن وجهة نظر المعارضين، فإن الاتفاقيات المتعلقة بالدفاع والبترول المبرمة مع الصومال لا توفر الشفافية وهي لم تكن كافية للبرلمان، وهو ما يجعلهم قلقين من أن تركيا قد تكون تعمل كـ “قراصنة للموارد” باسم الشراكة الأمنية. وقال سامتر إن الموارد العسكرية التركية مستخدمة في دعم ما يعتبره “ديكتاتورية فاسدة” في مقديشو، معتبراً أن الشعب الصومالي لن ينسى استخدام الطائرات والمدرعات لقمع صوته المطالب بالحقوق الأساسية والأمان.
قد يهمك: تحول مقديشو الأمني.. العاصمة الصومالية تحجز مكانًا ضمن أكثر عواصم أفريقيا أمانًا لعام 2026

توسع النفوذ والمخاوف من الانفجار الداخلي
ويعتبر التدخل العسكري التركي في الصومال وقمع المظاهرات إحدى محطات عقد من التوسع في السياسة والعسكر والاقتصاد بالنسبة لأنقرة في القرن الأفريقي، حيث يوجد فيها أكبر منشأة عسكرية لتدريب القوات التركية خارج حدودها. ولكن استخدام القوة الجوية لتلك التدخلات الأخيرة في النزاعات السياسية الداخلية، كان قد أثار القلق لدى الشركاء الدوليين، الذين راهنوا على مليارات الدولارات في برامج الاستقرار في البلاد، دون الاضطرار إلى التدخل بشكل مباشر في نزاعات السياسة الداخلية. ويحذّر المراقبون من أن التوتر الذي يتزايد بسبب التدخلات الخارجية قد يؤدي إلى هدم الإنجازات الهشة التي تحققت بعد سنوات من النزاعات، ومن زيادة احتمالات الاشتباكات الدموية بين الفصائل العسكرية المنقسمة في العاصمة، التي تحولت إلى ثكنة عسكرية محاصَرة.
قد يهمك: الانتخابات المباشرة في الصومال.. تمسك رئاسي بنموذج “صوت واحد للشخص الواحد” وسط تحديات داخلية

والواقع الحالي في مقديشو يعني أنه بالنسبة لأنقرة والنظام، علاقة الدعم الفني والتدريب قد تطورت الآن ليصبح تدخلاً عسكرياً حمائياً ضد الحراك الشعبي. وفي هذا السياق، يبدو أن التدخل العسكري التركي في الصومال ومصادرة المظاهرات قد أصبح عنصراً فاعلاً في موازين القوى المحلية، وبالتالي فإنها تضع أنقرة في صراع مباشر مع شعب مقديشو والقوى السياسية التي تستعد لنقل السلطة من النظام الحاكم. وفي ظل رفض الحكومة الفيدرالية للمغادرة، وإصرار المعارضة على معارضة كل تمديد للرئاسة، يبدو أن مقديشو تعاني فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة إذا ما استمر تغليب الحلول الأمنية والعسكرية على الحوار السياسي الوطني الشامل.






