المرأة الصومالية في علوم البحار لم تعد مجرد عنوان عابر، بل أصبحت واقعاً تفرضه كفاءات نسائية شابة مثل “فرحية علمي”، التي استطاعت أن تكسر الصورة النمطية المرتبطة بالعمل الميداني في أعماق المحيطات. بدأت قصة فرحية، الصومالية التنزانية البالغة من العمر 26 عاماً، بقرار جريء غيّر مجرى حياتها تماماً؛ فبينما كان العالم ينظر إلى البحر كمصدر للرزق التقليدي أو كمنظر طبيعي خلاب، كانت فرحية ترى فيه عالماً مليئاً بالأسرار التي لم تكتشف بعد. إن بروز المرأة الصومالية في علوم البحار عبر نموذج فرحية يعكس قدرة الفتاة الأفريقية على اقتحام مجالات علمية معقدة، حيث تحولت هذه الشابة من طالبة كان من المفترض أن تدرس الطب في الصين إلى عالمة بحار متخصصة تكرس حياتها لاستكشاف ما تحت الأمواج بزيها المحتشم، متحديةً بذلك كل العوائق الثقافية والاجتماعية.
التحول الاستراتيجي والشغف بالاستكشاف
ربط اسم المرأة الصومالية في علوم البحار بدأ منذ تعرف فرحية علمي على حقيقة علمية وهي أن 95% من عمق البحر لم تُرَ بأعين البشر. فقد أدى هذا الاعتراف إلى رفضها خطة العائلة بأن تكون طبيبة بشرية وأن تتخلص من “المشرط” لتبادر باستخدام أدوات الغوص بدلاً منه. وعلى الرغم من أنه كان وباء كورونا هو السبب الرئيسي الذي حال دون استطاعتها السفر للدراسة خارج البلاد، فإنه كان بوابة جديدة أدخلتها دراسة العلوم البحرية في جامعة دار السلام. فحالياً تتميز فرحية بشخصية المرأة الصومالية في علوم البحار، والتي تعتبر الغوص “دواءً” نفسياً وعقلياً، حيث تقضي ساعات تحت الماء من أجل تحقيق التوازن الداخلي، ليس فقط من أجل البحث، بل من أجل تحقيق توازن داخلي يجعلها قادرة على مواجهة التحديات اليومية.
اقرأ كذلك: طريقة عمل الملوح الصومالي العريق.. من موائد الأباطرة إلى بيوت البسطاء

صراع الاعتراف ومواجهة الثقافة الذكورية
وكان من الصعب على المجتمع التكيف مع مشاركة المرأة الصومالية في علوم البحار بهذه الطريقة العملية. لقد واجهت فرحية صعوبات جمة في بداية مسيرتها من مجتمع الصيادين المحليين الذي كان يتسم بالرفض لوجود امرأة على متن القوارب، حيث يعتبر البحر مهنة عنيفة وخشنة ليس من مكانها فيها. فتروي فرحية أن مجتمعاً كهذا كان قد وجه لها الأذى حتى طردها من بعض القوارب، ولكن رغبتها في أن تكون رائدة في قضية المرأة الصومالية في علوم البحار كانت وراء سعيها لطلب الحقوق رسمياً. ومع الوقت، أصبح مجتمع الصيادين يتوجس إعجابه بقدراتها في الغوص الحر وإدارة النفس تحت الماء لفترات طويلة.
ريادة الأعمال المستدامة وتمكين المجتمع الساحلي
يمتد تأثير المرأة الصومالية في علوم البحار إلى ما هو أبعد من البحث الأكاديمي، حيث أسست فرحية شركة “Seablue Innovators” في منطقة كيغامبوني. يهدف هذا المشروع إلى:
- استغلال الموارد البحرية لتحقيق رفاهية الأسر الفقيرة التي تسكن في المناطق الساحلية.
- تعليم الشباب وخصوصاً النساء عن الحاجة إلى الحفاظ على التنوع البيولوجي البحري كمصادر للدخل المستدام.
- توفير فرص عمل من خلال الزراعة الخاصة بالطحالب والنباتات البحرية التي يمكن استخدامها في مختلف الصناعات.
- دعم النساء الفلاحات في الجزء البعيد عن طريق منحهن الخبرات التقنية والبيئية. نجاح فرحية في هذا المشروع يعتبر دليلاً على أن السيدة الصومالية في مجال العلوم البحرية قادرة على قيادة قاطرة الاقتصاد الأزرق في المنطقة، وتحويل التحديات البيئية إلى فرص استثمارية حقيقية تخدم المجتمع.
قد يهمك: الارتباط الروحي بين مصر والصومال.. محبة آل البيت كجسر ممتد عبر التاريخ

التكريم العالمي والطموح المستقبلي
بفضل الإنجازات التي حققتها فرحية، فقد حصدت جوائز علمية دولية مرموقة على غرار “جائزة المرأة في العلوم”، الأمر الذي ساهم في تعزيز مكانتها كمثال عظيم للمرأة الصومالية التي تحترف علم البحار عالمياً. على الرغم من أنها غالباً ما تكون هي الوحيدة بين عشرات الرجال في رحلات الاستكشاف البحرية التي تقوم بها، فإنها لم تعد تخشاها أو تستغرب ذلك اليوم. تطمح فرحية في الأعوام القادمة بأن تكون المرجع الأول في مجال السياحة البيئية البحرية في تنزانيا والصومال من خلال توثيق الحياة البحرية الفريدة تحت الماء بطريقة علمية سهلة وواضحة للمستهلكين العاديين. إنها ترى أن دورها كواحدة من أهم النماذج للمرأة الصومالية في علوم البحار يتجلى في إلهام جيل المستقبل ليعرف بأن البحر ليس فقط الحدود الجغرافية للمياه، ولكنه منبع المعرفة الاقتصادية أيضًا.
إقرأ كذلك: رحيل آشا بوزلي.. الصمت يخيم على بوليوود بعد صمت الحنجرة الذهبية التي غنت للحياة

الحق أنه ليس هناك شك في أن رحلة فرحية العلمية أثبتت للعالم بأنه من المستحيل إحباط شغف العلم الاجتماعي والنسائي. فالحق يبقى في أن تعزيز دور المرأة الصومالية في مجال علوم البحار يعد مفتاحاً أساسياً للحفاظ على صحة المحيطات وتطوير المجتمعات الساحلية في شرق أفريقيا. من خلال تحقيق التكامل بين العلم والعمل الاجتماعي، تمكنت فرحية من إثبات بأن الحجاب والتقاليد ليست أيها العقبات لعلم الغوص تحت الماء، بل أصبحت جزءاً من هويتها التي جعلت منها “ملكة البحر” التي يفتخر بها الصوماليون والتنزانيون على حد سواء، مما يفتح آفاقاً جديدة لكل فتاة تطمح لترك بصمتها في عالم العلوم الطبيعية.






