تصاعد حدة التوتر السياسي في مقديشو بلغ ذروته مع تبني المعارضة استراتيجية توزيع الحشود على مواقع متعددة داخل العاصمة بدلاً من التجمع في منطقة واحدة، وذلك لتفادي التضييق الأمني وتوسيع نطاق الاحتجاجات. وتتزامن هذه التحركات مع اقتراب التاريخ المفصلي، 15 مايو 2026، الذي يمثل نهاية الولاية الدستورية للرئيس حسن شيخ محمود، وسط تحذيرات سياسية واسعة من أن أي تمديد يتجاوز هذا التاريخ سيُعتبر غير قانوني ومخالفاً للدستور في ظل غياب التوافق الوطني. وقد دخل الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو على خط الأزمة محذراً الحكومة من مغبة محاولة منع الاحتجاجات أو فرض قيود على المتظاهرين، بينما يطالب الناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي بوقف استخدام القوة أو تنفيذ اعتقالات سياسية.
قد يهمك: تحول مقديشو الأمني.. العاصمة الصومالية تحجز مكانًا ضمن أكثر عواصم أفريقيا أمانًا لعام 2026

اتهامات بالفساد الإداري وتسييس المساعدات الدولية
يرتبط تصاعد حدة التوتر السياسي في مقديشو بملفات فساد إداري واستغلال نفوذ أثارت استياءً واسعاً، حيث تُواجه الرئاسة اتهامات بتعيين الأقارب والموالين في مناصب سيادية، ومن أبرزها:
- تعيينات عائلية: تعيين ابنة الرئيس، جيهان، مستشارة للرئاسة للشؤون الدولية، وتعيين زوج ابنته، آدم روبلي، مديراً لبنك التنمية وإعادة الإعمار الصومالي.
- تسييس المناصب الأمنية: إقالة قيادات عسكرية وأمنية ذات خبرة واستبدالها بشخصيات من عشيرة الرئيس وحزبه لضمان البقاء في السلطة.
- استغلال المساعدات: اتهامات باستخدام الأموال والمساعدات الدولية المخصصة لمكافحة الإرهاب في شراء ولاءات العشائر وتصفية الخصوم السياسيين بدلاً من توجيهها لخدمة الصالح العام.
إقرأ كذالك: التدخل العسكري التركي في الصومال وقمع المظاهرات.. تحليق طائرات “F-16” فوق مقديشو وتصاعد حدة التوتر السياسي

المحور العسكري ومخاطر تمدد التنظيمات الإرهابية
أدى تصاعد حدة التوتر السياسي في مقديشو إلى بروز مخاوف أمنية جدية تتعلق بتسييس القوات المدربة دولياً المكلفة بمحاربة حركة الشباب، وتوجيهها لاستهداف المعارضين السياسيين. كما تُواجه الحكومة الفيدرالية اتهامات بافتعال أزمات في ولايتي بونتلاند وجوبالاند، وتهميش القوات الأمنية في ولاية جنوب غرب الصومال، مما قد يفسح المجال لتنظيمات مثل “حركة الشباب” و”داعش” لتوسيع نفوذها واستغلال الفراغ الأمني الناتج عن الصراعات السياسية. وتتزايد هذه المخاطر مع تقارير عن استيلاء الحكومة على أراضي المواطنين في مقديشو وبيعها، مما يضيف بعداً حقوقياً للأزمة المتفاقمة.
غياب الشفافية الانتخابية وشبح الانهيار الدستوري
يعكس تصاعد حدة التوتر السياسي في مقديشو أزمة ثقة عميقة في نزاهة العملية الانتخابية، حيث تشير القوى السياسية إلى أن فرض مرشحين غير مرغوب فيهم في ولايات غلمدغ وهيرشبيلي وجنوب غرب الصومال يبرهن على أن الانتخابات تُدار عبر التعيينات السياسية لا عبر صناديق الاقتراع. ومع تداول معلومات عن احتمالية إغلاق الطرق الرئيسية وفرض قيود على الحركة تجاه المواقع الحكومية والسيادية، تبدو العاصمة مقديشو أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تجاوز هذا المنعطف الدستوري بسلام أو الانزلاق نحو مواجهات قد تقوض المكتسبات الأمنية المحدودة التي تحققت خلال السنوات الماضية.
قد يعجبك: الحراك الشعبي في مقديشو.. استنفار أمني وإعادة هيكلة عسكرية واسعة لمواجهة مظاهرات المعارضة

إن الإصرار على إجراء انتخابات تفتقر للشفافية، بالتوازي مع نهب الموارد الوطنية وتهميش الولايات الإقليمية، يضع الدولة الصومالية أمام خطر التفكك مجدداً. والواقع يؤكد أن الالتزام بالجدول الزمني الدستوري وفتح باب الحوار مع المعارضة هو السبيل الوحيد لنزع فتيل الانفجار، وضمان عدم تحول القوات المسلحة إلى أداة في يد السلطة ضد الشعب، وهو ما يطالب به المجتمع الدولي والناشطون الصوماليون لتفادي تكرار تجارب الصراع المريرة التي أنهكت البلاد لعقود طويلة.






