تغيرات دماغ الأب بدأت تثير اهتمام المجموعات البحثية في المجال الطبي لمعرفة مدى تأثر الرجال ببدء مرحلة الأبوة، حيث أظهرت الدراسات العلمية أن الأب يمر بتحولات بيولوجية ونفسية ملموسة تؤهله لتقديم الرعاية لفلذة كبده بشكل طبيعي، مكسرة بذلك الصورة النمطية القائلة بأن الأمومة وحدهّا هي التي ترتبط بالتغيرات العضوية والدماغية داخل الأسرة.
وقام فريق من الباحثين بجمع عينات من اللعاب لـ 624 رجلاً في مقتبل العمر بهدف قياس مستويات هرمون التستوستيرون الذكوري ومتابعتهم لسنوات، وأسفرت النتائج عن تأكيد حدوث انخفاض ملحوظ وسريع في مستويات هذا الهرمون فور تحول هؤلاء الرجال إلى آباء، مقارنة بأقرانهم الذين لم ينجبوا أطفالاً بعد في نفس الفئة العمرية.
وبيّنت التحليلات أن التراجع الأكبر في الهرمون الذكوري يظهر بوضوح لدى الآباء الذين يقضون أوقاتاً أطول في رعاية أطفالهم ومشاركتهم تفاصيل الحياة اليومية، مثل النوم في نفس الغرفة أو تهدئتهم عند البكاء، مما يدل على حدوث تغيرات دماغ الأب بشكل فوري من أجل تحويل طاقة الرجل نحو الرعاية والتعاطف وحماية الرضيع.
هرمون الحب
ترتبط مظاهر تغيرات دماغ الأب بارتفاع هرمونات أخرى بالتزامن مع انخفاض هرمون الذكورة، حيث رصدت الأبحاث الطبية زيادة كبيرة في مستويات هرمون الأوكسيتوسين (Oxytocin) المعروف بهرمون الحب والارتباط لدى الآباء الذين يتفاعلون بشكل مستمر ومباشر مع أطفالهم الذين تقل أعمارهم عن عامين.
وأوضح البروفيسور جيمس ريلينغ، مدير مختبر العلوم العصبية الاجتماعية البشرية في جامعة إيموري، أن هذه التحولات الهرمونية والبيولوجية تحدث بشكل أساسي في فترة ما بعد الولادة، ونتيجة مباشرة للاحتكاك اليومي والتفاعل البصري والجسدي المستمر بين الأب ومولوده الجديد.
لمعرفة المزيد: كسوة الكعبة: سر تاريخي يخص ألوانها القديمة لا يعرفه الملايين!

وتساهم هذه المنظومة الهرمونية المعدلة في جعل الأب أكثر حساسية وتفاعلاً مع نبرات بكاء طفله، مما يحفز مراكز الانتباه واليقظة في الدماغ ويجعله يبدي ردود أفعال سريعة لحماية الصغير وتلبية احتياجاته الأساسية بشكل لا يقل عن دور الأم الحاضنة.
البناء العصبي
تمتد التطورات البيولوجية لتشمل إعادة هيكلة القشرة الدماغية ضمن ما يسمى تغيرات دماغ الأب البنيوية، حيث قامت دراسة مشتركة بين فرق بحثية في الولايات المتحدة وإسبانيا بفحص عقول الآباء بالأشعة قبل وبعد الإنجاب، ورصدت حدوث طفرة وتعديلات عصبية مستمرة لمساعدة العقل على استيعاب المعلومات والخبرات الجديدة.
وتقارن الدكتورة داربي ساكسبي، المتخصصة في علم النفس ومؤلفة كتاب “دماغ الأب” الصادر حديثاً، هذه المرحلة بمرحلة المراهقة الثانية؛ كونها تمثل منعطفاً نموياً رئيسياً يجبر الخلايا العصبية على التكيف مع التحديات والأفكار والمسؤوليات الجديدة والجسيمة التي تفرضها الأبوة.
قد يعجبك: الدبابات وتحديات الإستراتيجيات العسكرية الحديثة في مواجهة ثورة الطائرات المسيرة

وأظهرت البحوث الطبية أن الرجال الذين يظهرون ارتباطاً عاطفياً قوياً بأجنتهم خلال فترة الحمل، أو يخططون لأخذ إجازات أبوة طويلة لمشاركة زوجاتهم، تطرأ على عقولهم تحولات عصبية وهيكلية أكبر، مما يؤكد أن الاستعداد النفسي يسرّع من وتيرة التحول البيولوجي.
الرعاية الأبوية
تؤكد الباحثة سارة هردي أن جينات وبنية الدماغ البشري تحتوي على قدرات كامنة وغير تفعيلية تسمى “الركيزة الأبوية البديلة”، والتي يمكن تحفيزها وتنشيطها بالكامل لدى الرجال بمجرد وضعهم في الظروف البيئية والاجتماعية المناسبة لرعاية الأطفال والرضع.
قد يهمك: سر مصحف هرات.. قصة كتابة القرآن الكريم يدوياً بجماليات الخط العربي بأيدي فتاة تتحدى القيود

وتثبت الأدلة العلمية المسجلة أن نمط تغيرات دماغ الأب يزداد قوة وعمقاً كلما زادت ساعات ومستويات انخراط الرجل في تفاصيل تربية الطفل والاعتناء به، حيث يتشكل الدماغ والجسم تدريجياً ليتناسب مع هذا الدور الإنساني والتربوي الهام.
يخلص العلماء إلى أن الأبوة ليست مجرد دور اجتماعي يكتسبه الرجل بالتعود، بل هي عملية بيولوجية وعصبية متكاملة تعيد صياغة وتركيب الدماغ البشري لضمان بقاء النسل وحماية الأطفال في بيئة أسرية مستقرة ومتوازنة.






