المسرح الصومالي يمثل جانبًا مهمًا من الثقافة في البلاد، إذ ارتبط على مدار عقود بالشعر والموسيقى والقضايا الاجتماعية والسياسية. ومع مرور الصومال بفترات طويلة من الصراع، ظل الفن مساحة للتعبير والحوار، وساهم في الحفاظ على التراث الثقافي وإعادة بناء الروابط بين أفراد المجتمع.
المسرح الصومالي وتطور الفن بعد الاستقلال
برز المسرح الصومالي الحديث في ستينيات القرن العشرين، بعد استقلال الصومال وتوحيد أرض الصومال والصومال. وبحلول سبعينيات القرن نفسه، كانت العروض المسرحية تقام بصورة منتظمة في المدن، وأصبح الذهاب إلى المسرح نشاطًا يشارك فيه الصوماليون بمختلف أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
وشهدت تلك الفترة تداخلًا واضحًا بين المسرح والشعر، إذ كانت أجزاء كبيرة من المسرحيات تؤدى في صورة أبيات شعرية، خاصة المقاطع التي تحمل مشاعر قوية. كما ساهم عدد من الشعراء في كتابة المسرحيات، ما عكس المكانة البارزة التي يحتلها الشعر في الثقافة الصومالية.

المسرح الصومالي بين الشعر والموسيقى وقضايا المجتمع
ارتبط المسرح الصومالي أيضًا بالموسيقى، خصوصًا مع ازدهار الموسيقى الصومالية خلال الفترة نفسها. وكانت فرق موسيقية حية ترافق كثيرًا من العروض، بينما يؤدي الممثلون الأغاني للتعبير عن مشاعرهم أو إعلان الحب، وفي بعض العروض كان الجمهور يصعد إلى خشبة المسرح لتقديم الزهور أو الرقص مع الفنانين.
ولم يقتصر دور المسرح على الترفيه، بل أصبح مساحة لطرح القضايا التي تشغل المجتمع. وتناولت مسرحيات قضايا تتعلق بالنسوية والدين والحب والزواج، إلى جانب تغير علاقة الصومال بالجغرافيا السياسية العالمية. كما أتاحت خشبة المسرح مناقشة بعض المحظورات الاجتماعية والطعن في أدوار جندرية وتوقعات تقليدية.
قد يهمك: إذاعة مقديشو كنز صوتي يحفظ تاريخ وثقافة الصومال
المسرح مساحة لمناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية
أصبح الفنانون والشعراء جزءًا من النقاش العام في الصومال، ومنحتهم شعبية المسرح مساحة للتعليق على الأوضاع الراهنة ومعارضتها. كما لعب المسرح والشعر أدوارًا سياسية خلال فترات مختلفة، إذ ارتبطت بعض المسرحيات بأحداث وتحولات سياسية مهمة في تاريخ البلاد.
وخلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ظهر المسرح أيضًا كمساحة جمعت الفنانين من شمال الصومال وجنوبه، رغم الانقسامات الإقليمية والقبلية التي كانت تؤثر في الحياة الاجتماعية. وبعد الحرب الأهلية، استمر الفن في أداء دور مرتبط بالسلام والمصالحة، حيث شارك شعراء ومغنون وكتاب مسرحيون في أعمال هدفت إلى الدعوة لوقف السلاح وبناء الوطن.

المسرح الوطني الصومالي ورحلة إعادة البناء
يعد المسرح الوطني في مقديشو أحد أبرز رموز هذا التراث. فقد شيده مهندسون صينيون عام 1967، وافتتح في العام نفسه، ليصبح خلال السبعينيات والثمانينيات محركًا مهمًا للتنمية الثقافية. لكنه أُغلق عام 1991 مع اندلاع الحرب الأهلية، وتحول المبنى إلى موقع للمتنازعين على المدينة، قبل أن يتعرض لأضرار كبيرة.
وفي عام 2012، أعيد افتتاح المسرح بعد ترميمه بمشاركة السلطات والمواطنين والشركات المحلية، لكنه تعرض لهجوم انتحاري بعد 15 يومًا فقط. وبعد ذلك بدأت عملية جديدة لإعادة بنائه وتجديده، بدعم من السلطات الصومالية وشركات وشركاء دوليين، إلى جانب مساهمات من المواطنين.
قد يعجبك: الفنان الشيخ عبد الله زلفة يعود إلى الصومال بعد 30 عامًا
الفن وسيلة لتعزيز السلام والحفاظ على الثقافة
ساهمت الجهود الشعبية في الحفاظ على التراث الفني رغم تراجع الدعم الرسمي للفنون خلال سنوات الحرب. وفي هرجيسا، احتفظ المركز الثقافي بأكثر من 14 ألف تسجيل لمسرحيات وموسيقى، جُمعت وحُفظت بجهود أفراد أنقذوها خلال الحرب.
كما أعيد افتتاح المسرح الوطني في مقديشو للجمهور مجددًا في يوليو، في خطوة اعتُبرت مهمة لإعادة بناء الثقافة الصومالية. ويأمل القائمون عليه في استخدامه للعروض وورش العمل والمؤتمرات والفعاليات الثقافية والمهرجانات الموسيقية.

ويؤكد استمرار المسرح الصومالي أن الفن لم يكن مجرد وسيلة للترفيه، بل ظل مساحة للتعبير والحوار والحفاظ على الهوية. كما يمكن أن يوفر للفنانين والشباب مجالًا لإظهار مواهبهم والتعبير عن أنفسهم بعيدًا عن التطرف والعنف، بينما يحمل المسرح رسائل تدعو إلى السلام وتدعم الحفاظ على الثقافة ونقلها إلى الأجيال القادمة.






