إذاعة مقديشو تمثل جزءًا مهمًا من الذاكرة الصوتية للصومال، إذ تضم آلاف الأشرطة ذات البكرات التي توثق عقودًا من تاريخ البلاد، ويعود تاريخ بعضها إلى أوائل الخمسينيات. وتحتوي التسجيلات على نشرات إخبارية وخطابات وموسيقى وأصوات كانت تُبث عبر أثير البلاد، فيما يعمل فريق صغير على رقمنة هذا المحتوى قبل أن تتدهور الأشرطة المغناطيسية ويصبح استعادتها أكثر صعوبة.
ويعمل الفريق على رقمنة وترتيب ما يقارب 400 ألف ساعة من البث، وفقًا للمسؤولين، بينما أظهر تقييم أجراه خبراء في أبريل وجود نحو 45 ألف شريط وبكرة. ووفقًا لليونسكو، لا يزال أكثر من 85% منها قابلًا للتشغيل، في حين تدهورت حالة نحو واحد من كل عشرة أشرطة، وتعرض أكثر من 5% منها للتدمير أو أضرار شديدة.
أرشيف إذاعة مقديشو يوثق ذاكرة الصومال
تأسست إذاعة مقديشو عام 1951 خلال الحقبة الاستعمارية الإيطالية، وبدأت بثها باللغتين الإيطالية والصومالية، قبل أن تقدم خدمات بلغات أجنبية أخرى. ومع مرور الوقت، أصبحت أكبر وأهم هيئة بث عامة في الصومال، ووصل صوتها إلى جماهير بعيدة في شرق إفريقيا والشرق الأوسط.
ولم تكن الإذاعة مصدرًا رئيسيًا للأخبار فقط، بل تحولت إلى منصة للموسيقيين والشعراء وكتاب المسرح والصحفيين. ويشير أمين الأرشيف إلى أن إذاعة مقديشو كانت المنصة التي يرغب الفنانون في الظهور عليها، وأسهمت في صناعة نجوم الصومال.
وخلال عهد سياد بري، أصبحت المحطة أداة لأيديولوجية الدولة، حيث مزجت الأخبار والدراما والبرامج الدينية بالمحتوى القومي والمناهض للاستعمار. كما ارتبطت بحملة محو الأمية الجماعية في الصومال، إلى جانب تغطية قضايا إقليمية وحركات مناهضة للاستعمار.

قد يهمك: سرد القصص الرقمية تعزز التماسك الاجتماعي في الصومال
رحلة الرقمنة تواجه خطر تلف التسجيلات
بدأت عملية رقمنة إذاعة مقديشو في وقت مبكر من عام 2012، لكنها تعثرت لسنوات بسبب نقص الموارد. وبحسب مدير المحطة، لم يتم تحويل سوى نحو 10% من الأرشيف إلى صيغة رقمية حتى الآن، رغم توفير بعض الأدوات الجديدة والتدريب لأمناء الأرشيف.
ويضم الأرشيف مواد لا توجد في أي مكان آخر، إلا أن بعضها تعرض للتلف أو الفقدان خلال السنوات الماضية. فقد تضررت تسجيلات في حريق كهربائي عام 2018، بينما فُقدت مواد أخرى خلال القتال في مقديشو عام 1992.
وفي أوائل يونيو، نظمت وزارة الإعلام الصومالية والمكتب الإقليمي لليونسكو لشرق إفريقيا ورشة عمل في مقديشو، جمعت أمناء أرشيف من مختلف أنحاء البلاد، بهدف تسجيل محتويات الأرشيف والعمل مستقبلًا على إدراجها ضمن برنامج ذاكرة العالم التابع لليونسكو.

قد يعجبك: الحرف التقليدية في الصومال من حفظ الهوية إلى تمكين النساء
إنقاذ إذاعة مقديشو يحمي تاريخ الصومال
تزداد أهمية الحفاظ على إذاعة مقديشو في ظل ما تعرضت له الأرشيفات خلال الحرب الأهلية من تدمير، وهو ما أدى إلى فجوة كبيرة في السجل الوثائقي للصومال. ويرى متخصصون أن استعادة ما يمكن إنقاذه من التسجيلات أمر مهم للأجيال الجديدة التي لم تعرف العالم الذي كانت الإذاعة تبث فيه خلال أوج ازدهارها.
ومع انهيار الحكومة المركزية عام 1991، تراجع الدور الذي كانت تؤديه الإذاعة في الحياة العامة مع ظهور الإذاعات الخاصة والتلفزيون والمواقع الإلكترونية. لكن أرشيفها ظل يحمل قيمة تاريخية وثقافية باعتباره سجلًا لتطور الإعلام والموسيقى والثقافة والحياة العامة في الصومال.

تمثل جهود إنقاذ إذاعة مقديشو محاولة للحفاظ على جزء من الذاكرة الصوتية للصومال قبل ضياعه، من خلال رقمنة التسجيلات القديمة وحمايتها من التلف، مع السعي إلى إتاحتها للجمهور مستقبلًا، بما يسمح للأجيال الجديدة بالتعرف على تاريخ وثقافة بلادهم من خلال أصوات وتسجيلات امتدت لعقود.






