تواصل الحرف التقليدية في الصومال حضورها بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية، ووسيلة للحفاظ على الموروث ونقله بين الأجيال. وتبرز الحرف اليدوية والنسيج ضمن التقاليد التي ارتبطت طويلًا بالهوية الوطنية الصومالية، بينما تؤكد الجهود الثقافية أهمية دور المرأة والشباب في حماية التراث والاستفادة من الإمكانات الاقتصادية للصناعات الثقافية والإبداعية.
الحرف التقليدية في الصومال جزء من الهوية الثقافية
أشارت اليونسكو إلى أن تقاليد الحرف اليدوية والنسيج العريقة كانت دائمًا جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية الصومالية، إلى جانب التقاليد الشفوية التي تنقل التراث عبر الشعر والغناء والرقص. وخلال اجتماع تشاوري وطني عُقد في نوفمبر 2020، ركز المشاركون على إعداد استراتيجية وطنية لحماية وتعزيز التراث الثقافي المادي وغير المادي في الصومال.
وأكد المشاركون أهمية إشراك المرأة والشباب في تطوير القطاع الثقافي، مع النظر إلى الثقافة باعتبارها عاملًا للتغيير الاجتماعي وبناء السلام وتعزيز القدرة على الصمود. كما جرى التأكيد على الإمكانات الاقتصادية للثقافة، وتشجيع الشباب على الاستفادة من فرص العمل المرتبطة بالاقتصاد الثقافي والإبداعي.

قد يهمك: الأمثال الشعبية الصومالية ومعانيها في حياة المجتمع
الحرف اليدوية تمنح النساء النازحات مصدرًا للدخل
تظهر أهمية الحرف التقليدية في الصومال بصورة عملية في تجربة مجموعة من النساء النازحات في مقديشو، حيث تلقت 40 امرأة تدريبًا على صناعة المكانس وأوعية الحليب الصومالية والحصر التقليدية والسلال، وبدأن في بيع منتجاتهن محليًا.
ومن بينهن فادومو عبد القادر حسن، وهي أم لتسعة أطفال، تمكنت من توفير ثلاث وجبات يوميًا لعائلتها من الأموال التي تحصل عليها من عملها اليدوي. وكانت أسرتها، التي نزحت من مزرعتها في باراوي عام 2019 بسبب الجفاف، تعيش في السابق على دخل محدود لم يكن يكفي سوى لتوفير وجبة واحدة يوميًا.
ومع تحسن دخلها من الحرف اليدوية، أصبحت فادومو تدفع رسومًا مدرسية لثلاثة من أطفالها، كما تحقق دخلًا إضافيًا من بيع الحصر والسلال للمنظمات غير الحكومية والمراكز التعليمية والصوماليين المغتربين.
وتوضح تجربة حليمة مومين غوري أيضًا أثر هذه الحرف على الأسر، إذ أصبحت تحصل على دخل من عملها اليدوي، وتساعد في إعالة أطفالها وإخوتها وأطفالهم، كما تمكنت من دفع الرسوم المدرسية لأطفالها وتوفير المياه والكهرباء لمنزلها.

من التراث الصومالي إلى مشاريع الأزياء الحديثة
لم تتوقف الحرف التقليدية في الصومال عند المنتجات التراثية، بل بدأت تدخل في مشروعات تجمع بين التصاميم التقليدية والأزياء الحديثة. وتبرز في هذا السياق تجربة حمدة عبدي وهاب سعيد، التي نشأت في هرجيسا واستلهمت مشروعها من المنسوجات والألوان والزخارف التي تعكس الهوية والصمود.
وفي عام 2023، انضمت حمدة إلى مركز حاضنات الأعمال في هرجيسا، وتلقت تدريبًا في الثقافة المالية وتطوير العلامة التجارية والتسويق الرقمي وتسعير المنتجات والتسجيل القانوني. وبفضل الدعم الذي حصلت عليه، أعادت تطوير علامتها «كاها ديزاين»، وسجلت شركتها رسميًا، وبدأت استخدام مواد صديقة للبيئة من مصادر محلية.
وطورت حمدة خطًا من الإكسسوارات المصنوعة يدويًا، يجمع بين التصاميم الصومالية التقليدية وقطع عصرية مثل الحقائب وأغطية الرأس والأوشحة. كما استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي لتسويق منتجاتها، ووصلت طلباتها إلى نيروبي ومقديشو وغيرها.

قد يعجبك: المكتبات في الصومال ودورها في إحياء القراءة وحفظ التراث الثقافي
تمكين الشابات يحافظ على الحرف ويجدد حضورها
تحولت «كاها ديزاين» أيضًا إلى منصة لتمكين المرأة، بعدما وظفت حمدة خمس شابات حرفيات وقدمت لهن التدريب في التصميم والإنتاج. كما أطلقت ورشًا في عطلات نهاية الأسبوع للفتيات المهتمات بالتصميم، لتعليمهن مهارات التطريز والتطريز بالخرز وصناعة النماذج.
وتوضح هذه التجارب أن الحرف التقليدية في الصومال لا تقتصر على الحفاظ على الموروث الثقافي، بل يمكن أن تتحول إلى وسيلة لدعم الأسر وتمكين النساء وتشجيع الشابات على تعلم مهارات التصميم والإنتاج. كما تسهم هذه الجهود في إحياء الاهتمام بالحرف اليدوية الصومالية، وتعزيز الفخر بالفنون التقليدية التي تواجه تهديدات عوامل العصر الحديث.
وفي ظل الاهتمام بتطوير القطاع الثقافي، تبرز الحرف التقليدية في الصومال كمساحة تجمع بين الهوية والإبداع والعمل، من خلال نقل المهارات إلى الأجيال الجديدة وتحويلها إلى مصدر للدخل ومشروعات حديثة، بما يحافظ على حضورها داخل المجتمع الصومالي.






