الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة جديدة في مجال اكتشاف الأدوية، بعدما كشفت بيانات تجربة سريرية أجرتها شركة «إنسيليكو ميديسين» عن مؤشرات أولية بشأن دواء قد يسهم في إبطاء عملية الشيخوخة. ويُعرف الدواء باسم «rentosertib»، وقد جرى توليد تركيبه الجزيئي بمساعدة هذه التقنيات، بينما لا تزال النتائج بحاجة إلى مزيد من الاختبارات قبل إصدار حكم نهائي بشأن قدرته على إبطاء الشيخوخة.
الذكاء الاصطناعي يدخل سباق إبطاء الشيخوخة
أظهرت الدراسة الجديدة، التي نُشرت في دورية «نيتشر للتكنولوجيا الحيوية»، أن الدواء أدى إلى انخفاض في مؤشرات بيولوجية مرتبطة بالشيخوخة، وفقًا لست أدوات تُعرف باسم «Aging Clocks» أو «ساعات الشيخوخة». وتعتمد هذه الأدوات على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقدير العمر البيولوجي للجسم ومدى سرعة تقدمه في العمر.
وأجريت التجربة على مرضى يعانون من التليف الرئوي مجهول السبب، وهو مرض مزمن يؤدي إلى زيادة سماكة أنسجة الرئة وتندبها، ما يقلل قدرتها على نقل الأكسجين إلى مجرى الدم. وكانت التجربة تهدف بشكل أساسي إلى دراسة تأثير الدواء في هذه الحالة، قبل أن تكشف البيانات عن مؤشرات مرتبطة بالعمر البيولوجي.
وتبرز أهمية النتائج في كونها تقدم مثالًا على إمكانية استخدام هذه التقنيات في تطوير أدوية، بما قد يفتح المجال أمام أبحاث جديدة مرتبطة بإطالة العمر.

قد يهمك: الذكاء الاصطناعي يحدد موقعك من صورة واحدة ويهدد خصوصيتك
كيف طوّرت إنسيليكو دواء rentosertib؟
بدأت شركة «إنسيليكو ميديسين» استكشاف هذه التقنيات في اكتشاف الأدوية قبل أكثر من عقد، وأسّسها أليكس جفورونكوف عام 2014. وكانت الشركة من أوائل المحاولات لتبسيط عملية اكتشاف الأدوية باستخدام ما يُعرف باسم الشبكات العصبية.
وباستخدام تقنيات مشابهة لتلك المستخدمة في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، بنت الشركة نموذجًا لتحليل مجموعة ضخمة من البيانات تشمل السجلات الصحية لآلاف المرضى، وتحاليل الدم التي تصف البروتينات التي تنتجها أجسامهم، إلى جانب عدد كبير من الأوراق البحثية التي توثق تأثيرات هذه البروتينات.
وتحاول الشركة باستخدام هذا النظام تحديد بروتينات معينة تؤدي إلى المرض والاعتلالات الصحية. ثم بنت نظامًا ثانيًا يحلل البيانات التي تصف الشكل الفيزيائي للبروتينات والطريقة التي ترتبط بها بجزيئات أخرى.
وصُمم هذا النظام لتوليد جزيئات جديدة تمامًا يمكنها الارتباط بهدف دوائي معين وتحييد تأثيراته. وقال الدكتور جفورونكوف إن الأمر يشبه مسح قفل وتوليد مفتاح يناسبه، وهي الطريقة التي طورت بها الشركة دواء «rentosertib» الذي يهدف إلى علاج التليف الرئوي مجهول السبب.

ساعات الشيخوخة تكشف تغير العمر البيولوجي
وبشكل منفصل عن الاختبارات المتعلقة بالتليف الرئوي مجهول السبب، استخدمت التجربة ست أدوات «Aging Clocks» لقياس مؤشرات العمر لدى المرضى قبل العلاج بالدواء وبعده. وأظهرت الأدوات الست جميعها انخفاضًا في العمر المتوقع بعد تناول المرضى للدواء لمدة 12 أسبوعًا.
وشارك في التجربة 43 مريضًا، بينما تعتمد كل أداة على تحليل مختلف للمؤشرات، ما ينتج عنه تقدير مختلف للعمر البيولوجي. وخلال التجربة، أظهرت الأدوات الست انخفاضًا في المؤشرات المرتبطة بالعمر.
وتحاول هذه الأدوات التنبؤ بعمر الشخص استنادًا إلى قياسات مدى كفاءة عمل خلاياه وأنسجته وأعضائه، وهو ما يعكس جانبًا آخر من استخدام الذكاء الاصطناعي في دراسة التغيرات البيولوجية المرتبطة بالعمر.
لكن العلماء لا يزالون يناقشون مدى فائدة المعلومات التي تستطيع «ساعات الشيخوخة» توفيرها، خاصة أن كل أداة تعتمد على تحليل مختلف لهذه المؤشرات.
وقال فاديم جلادشيف، أستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد، والذي ساعد في تطوير إحدى أدوات «Aging Clocks»، إن الدراسة أظهرت إمكانية خفض العمر البيولوجي المتوقع، لكنه أقر بأن الدراسة بعيدة عن أن تكون حاسمة، مشيرًا إلى صغر حجم العينة وأن ساعات الشيخوخة ليست موثوقة دائمًا.

قد يعجبك: الذكاء الاصطناعي يشن هجومًا إلكترونيًا فمن المسؤول قانونيًا
نتائج واعدة لكن الدواء يحتاج مزيدًا من الاختبارات
رغم النتائج الأولية، لا يزال الدواء أمامه سنوات قبل الحصول على الموافقة التنظيمية، حتى لاستخدامه في علاج المرضى. كما أن الشركة لم تختبر حتى الآن تأثيراته المضادة للشيخوخة على أشخاص أصحاء، إذ أجرت تجربتها السريرية فقط على مرضى التليف الرئوي مجهول السبب.
ويعني ذلك أن النتائج التي ظهرت في مؤشرات العمر البيولوجي قد تكون مرتبطة تحديدًا بالمصابين بهذه الحالة، وليس بالضرورة تأثيرًا مباشرًا للدواء على الشيخوخة لدى الأشخاص الأصحاء.
وقال إريك توبول، طبيب القلب ومؤلف كتاب «Super Agers»: «يبدو هذا الدواء واعدًا، لكن ليست لدينا حتى الآن تجربة حاسمة تتيح إصدار الحكم النهائي».
وتشير النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دورًا متقدمًا في مراحل مختلفة من تطوير الأدوية، بداية من تحليل البيانات وتحديد الأهداف الدوائية، وصولًا إلى دراسة المؤشرات البيولوجية.
وتكشف تجربة «rentosertib» عن إمكانات جديدة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية ودراسة الشيخوخة، لكنها لا تثبت حتى الآن أن الدواء قادر على إبطاء الشيخوخة بشكل مؤكد. وتبقى النتائج الحالية أولية، في انتظار دراسات واختبارات إضافية تحدد مدى فعالية الدواء وتأثيراته.






