أزمة مضيق هرمز تتصدر المشهد العالمي كواحدة من أكثر النقاط الجيوسياسية سخونة، حيث يمر هذا الممر المائي الاستراتيجي بطور جديد من الصراع يتأرجح بين التفاوض المتوتر والتصعيد المؤجل. وفي ظل انسحاب حاملة الطائرات الأمريكية “جيرالد فورد”، تبدو واشنطن وكأنها تعيد تموضعها لتبني استراتيجية “الحصار البحري” بدلاً من القصف الجوي الشامل، وهو الخيار الذي يراه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أكثر فاعلية لإجبار طهران على “الاستسلام الآن”.
إن أزمة مضيق هرمز اليوم لا تعكس تراجعاً في احتمالات المواجهة، بل هي انتقال إلى حرب استنزاف بلا إعلان رسمي، حيث تراهن الولايات المتحدة على ضغط اقتصادي وسياسي متراكم، بينما ترد طهران بخطاب مزدوج يجمع بين رفض الحصار والتحذير من أن أي ضربة عسكرية، ولو كانت محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً يطال القواعد الأمريكية في المنطقة.
انسحاب “فورد” وإعادة تعريف القوة
تضارب الأخبار بشأن سحب الحاملة “فورد” يثير العديد من الأسئلة حول نوعية الأزمة في مضيق هرمز خلال الفترة القادمة، فبينما يعتبر بعض الناس ذلك إشارة للتهدئة، يعتقد المحللون أن الأمر يتعلق بحوامات لوجستية وراحة الطاقم جراء الحملة المستمرة. بالطبع، فإن هذا الانسحاب لا يعني أن الولايات المتحدة قد ضعفت فيما يخص فرض الحصار، حيث يتم تنفيذ هذه العملية الآن عن طريق الاستخبارات والدرونز والصاعدين المروحية للإيقاع بسفن العدو. بهذا المعنى، تصبح أزمة مضيق هرمز معتمدة على قدرة الولايات المتحدة على إقناع شركات النقل بأن مرور السفن قد أصبح الآن غير آمن.
مما يحقق أهداف الضغط دون الحاجة لعودة سريعة إلى نمط القصف الواسع الذي قد يجر المنطقة إلى حرب شاملة لا يرغب فيها أي من الطرفين في الوقت الراهن.
المهلة القانونية والخيارات العسكرية الصعبة

وبعد أن بدأ ينفد من الوقت الممنوح لإدارة الرئيس ترمب للقيام بعمله في بداية شهر مايو، أصبح واضحاً أن الوقت قد حان بالنسبة لأزمة مضيق هرمز لينتقل إلى مرحلة الحسم حيث يواجه ترمب خيارات حساسة بين طلب الدعم القانوني من الكونغرس أو اللجوء إلى ضربات قصيرة وقوية. وبالفعل، فإن التسريبات المتوفرة حول خطط عسكرية تتمثل في السيطرة على بعض أجزاء المضيق أو القيام بمهمات خاصة ضد مخازن اليورانيوم الإيرانية تؤكد أن البقاء على الخيارات العسكرية ليس مجرد لعبة بل من أجل كسر الموقف الاحتوائي في المفاوضات والعمل على اقتناع الجانب الآخر بأنه لن يجني الكثير من الوقت والمراوغة الدولية.
لمعرفة المزيد: العلاقات الإيرانية الإخوانية.. تقاطعات المصالح البراغماتية وتحديات الأمن القومي العربي

تدويل الصراع وبناء “تحالف هرمز”
بينما تواصل أمريكا ضغطها العسكري، تعمل الأخيرة على الدفع باتجاه تدويل الأزمة في مضيق هرمز عبر الدعوة لتشكيل تحالف بحري دولي من شأنه تقاسم عبء إدارة أمن الطاقة العالمي. وقد أشار العديد من المراقبين إلى أن هذا التحالف يأتي كمفارقة في سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حيث دأب هذا الأخير لفترة طويلة على انتقاد الحلفاء لأنهم لم يقدموا الدعم الكافي لإدارة أمريكا، إلا أنهم يدركون الآن أن إدارة هذا الممر المائي الشديد الأهمية لن يكون عبئاً أمريكيًا فقط.
من جهتها، تقدم إيران “إدارة مضيق هرمز” كبديل عن وجود الأطراف الخارجية في المضيق معتمدة في ذلك على رسائل موجهة للجيران بضرورة تولي مسألة الأمن الإقليمي إقليمياً. وفي الوقت نفسه، تتعرض هذه السياسة الإيرانية إلى حقيقة أن تعطيل الملاحة في هذا المضيق يشكل تهديداً لجميع الدول الإقليمية.
قد يعجبك: شبكات التجسس في إيران.. طهران تعدم أعضاء شبكة مرتبطة بالموساد

والحق أن الوضع الحاضر ليس مشهد تسوية ناجحة بل إنما عملية تكثيف داخل تفاوض بالقوة؛ حيث يرى كل طرف أنه أطول صبراً وأكثر قدرة على تحمل الضغوط. ويؤكّد الواقع اليوم على أن الأزمة في مضيق هرمز يمكن أن تفجر في أي لحظة قادمة في حال استغل أحد الطرفين حدود الصبر الأخرى أو إذا تحولت الضربات “المحدودة” المفترضة إلى مواجهة مفتوحة تشمل الوكلاء والقواعد العسكرية في الإقليم.
وبينما تراهن واشنطن على خنق الاقتصاد الإيراني عبر البحر، تظل طهران متمسكة بورقة المضيق كأداة سياسية وعسكرية، مما يترك المنطقة في حالة ترقب شديد لما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تحولات في موازين القوى البحرية والدبلوماسية.






