زيارة ترامب للصين واختبار الهدنة الهشة تبدأ هذا الأسبوع في توقيت مفصلي للعلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، حيث أكدت بكين وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زيارة تمتد من 13 إلى 15 مايو الجاري للقاء الرئيس شي جين بينغ.
وتعد هذه الزيارة الأولى لرئيس أمريكي إلى الصين منذ نحو عقد من الزمان، ويرافق ترامب فيها وفد رفيع المستوى من الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات الأمريكية مثل “بوينغ” و”سيتي غروب” و”كوالكوم”، بهدف إبرام صفقات تجارية ضخمة. وتمثل هذه التحركات اختباراً حقيقياً للهدنة التجارية الهشة التي أُقرت في أكتوبر الماضي بكوريا الجنوبية، بعد سلسلة من الرسوم الجمركية المتبادلة التي تجاوزت 100%، مما أحدث هزات عنيفة في سلاسل الإمداد العالمية وأجبر الجانبين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لتجنب انهيار اقتصادي شامل.
تاريخ الحرب التجارية والتحولات من بايدن إلى ترامب
ترتبط زيارة ترامب للصين واختبار الهدنة الهشة بسلسلة طويلة من النزاعات التي بدأت منذ ولاية ترامب الأولى في 2018، عندما فرض رسوماً على واردات صينية بقيمة 250 مليار دولار لإجبار بكين على ممارسات تجارية أكثر إنصافاً. والمثير للاهتمام أن إدارة جو بايدن لم ترفع هذه الرسوم بل أضافت عليها قيوداً تكنولوجية صارمة استهدفت شركات مثل “هواوي” و”تيك توك”، بالإضافة إلى فرض رسوم باهظة على السيارات الكهربائية الصينية.
ومع عودة ترامب للسلطة في 2025، تضاعفت الضغوط بفرض رسوم بنسبة 20% بتهمة تدفق مخدر “الفنتانيل”، وصولاً إلى رسوم “يوم التحرير” التي بلغت 34%، مما دفع بكين للرد باستهداف المنتجات الزراعية الأمريكية، وهي القاعدة الانتخابية الرئيسية لترامب، قبل أن يتم تعليق هذه الإجراءات مؤقتاً في قمة “كيمتشي” الأخيرة.
قد يهمك: توقعات سعر الدولار مقابل العملات 2026.. الملاذ الآمن يتصدر المشهد وسط ضبابية الأزمات

ملفات الطاقة وأزمة الحرب مع إيران
تفرض زيارة ترامب للصين واختبار الهدنة الهشة نفسها كمنصة لبحث تداعيات الحرب مع إيران، حيث يلقي الصراع بظلاله الثقيلة على الاقتصاد العالمي. وعلى الرغم من أن الصين تبدو أكثر صموداً في وجه أزمة الطاقة لاعتمادها الكبير على النفط الروسي وإنتاجها المحلي، إلا أن استمرار الحرب يختبر أمن إمداداتها، خاصة وأن بكين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني. ويسعى ترامب للضغط على شي جين بينغ لاتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه طهران لإنهاء الصراع بسرعة، بينما تحاول بكين موازنة علاقاتها الاستراتيجية لضمان تدفق الطاقة وحماية سلاسل التوريد الخاصة بها، مما يجعل ملف الشرق الأوسط أحد أكثر النقاط تعقيداً في المحادثات الحالية خلف الأبواب المغلقة.
لمعرفة المزيد: أزمة الطاقة في أوروبا.. الرياح والمياه تنقذ القارة من تقلبات أسعار حرب إيران

السيادة التكنولوجية وسوق السلع الاستراتيجية
تأتي زيارة ترامب للصين واختبار الهدنة الهشة في وقت تمتلك فيه بكين أوراق ضغط قوية، أبرزها شبه الاحتكار العالمي للمعادن الأرضية النادرة الضرورية لصناعات الهواتف الذكية والطائرات المقاتلة.
وقد استخدمت الصين هذه الورقة بنجاح العام الماضي لإجبار واشنطن على رفع القيود عن بعض أشباه الموصلات المتقدمة. وفي المقابل، يواجه ترامب تحديات قانونية داخلية بعد أن أبطلت المحكمة العليا الأمريكية بعض رسومه الجمركية، مما يدفعه للبحث عن انتصارات سريعة عبر دفع الصين لزيادة مشترياتها من فول الصويا وأجزاء الطائرات الأمريكية. وتظل تايوان هي “الخط الأحمر” الذي يراقبه الجميع، حيث يربط ترامب بين الملفات التجارية والمواقف السياسية في منطقة المحيط الهادئ.
قد يعجبك: تطوير الاقتصاد البحري في الصومال.. المقر الجديد لوزارة الموانئ كقاطرة للنمو الوطني

إن النتائج المرتقبة لهذه الزيارة ستحدد مسار التضخم العالمي واستقرار الأسواق المالية لسنوات قادمة. فبينما تستثمر الصين بكثافة في الروبوتات والرقائق المحلية لتقليل اعتمادها على الغرب، تحتاج في الوقت ذاته إلى السوق الاستهلاكية الأمريكية الضخمة لتصريف فائض إنتاجها الصناعي.
ومع تداخل ملفات الأمن القومي مثل “تيك توك” والذكاء الاصطناعي مع المصالح التجارية البحتة، يبدو أن الطرفين محكومان بالتوصل إلى صيغة “تعايش تنافسي” تمنع انزلاق الهدنة الهشة إلى حرب باردة جديدة قد لا يتحمل تبعاتها أي من الطرفين في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة.






