عادت أزمة الطاقة في أوروبا لتتصدر المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي، حيث كشفت التطورات الأخيرة عقب اندلاع الحرب في فبراير الماضي أن الدول التي استثمرت بكثافة في مصادر الطاقة المتجددة أصبحت تمتلك “درعاً واقياً” ضد القفزات الحادة في أسعار الكهرباء. إن أزمة الطاقة في أوروبا أظهرت تبايناً صارخاً في القدرة على الصمود؛ فبينما تعاني دول مثل إيطاليا وألمانيا، اللتين تعتمدان بشكل كبير على الغاز المستورد، من ارتفاعات قياسية في التكاليف تجاوزت 20%، تنعم دول أخرى مثل ألبانيا وإسبانيا باستقرار نسبي بفضل وفرة الإنتاج الكهرومائي والرياح. وبالرغم من أن الصدمة السعرية الحالية قد تستغرق شهوراً لتظهر بالكامل في فواتير الأسر والشركات، إلا أن الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري المستورد بات يمثل خطراً داهماً يهدد النمو الاقتصادي ويفاقم ضغوط التضخم في القارة العجوزه.
تباين الأسعار بين المتجددة والوقود الأحفوري
يتصدر المشهد اليوم التناقض الواضح في أسواق الجملة للكهرباء؛ فالدول التي تفتقر للمرونة في مزيج الطاقة الخاص بها هي الأكثر تأثراً بالتقلبات. والحقيقة أن أزمة الطاقة في أوروبا وضعت إيطاليا في موقف حرج، حيث تولد 40% من كهربائها بالغاز، مما أدى لارتفاع الأسعار بشكل حاد، في حين سجلت إسبانيا التي رفعت حصة الطاقة المتجددة إلى 60% انخفاضاً ملموساً في الأسعار.
إن النموذج الألباني يمثل حالة فريدة؛ فبفضل السدود الكهرومائية على نهر درين، تمكنت البلاد من تغطية 90% من احتياجاتها، مما وفر لها حماية طبيعية ضد اضطرابات سوق الطاقة العالمي. ومن هنا، يظهر أن أزمة الطاقة في أوروبا ليست مجرد مشكلة نقص إمدادات، بل هي أزمة بنية تحتية ومزيج طاقي، حيث تحاول المفوضية الأوروبية الآن تخفيف العبء الضريبي عن المستهلكين لمواجهة التكاليف المتضخمة التي قد تثقل كاهل ميزانيات الدول.
قد يعجبك: تطوير الاقتصاد البحري في الصومال.. المقر الجديد لوزارة الموانئ كقاطرة للنمو الوطني

تحديات التخزين ومنحنى البطة
تعود جذور الأزمة الحالية إلى اعتماد دول صناعية كبرى مثل ألمانيا على الغاز المستورد لسد فجوات الإنتاج، وهو ما جعلها عرضة للنقص الحاد منذ بدء الحرب. إن أزمة الطاقة في أوروبا سلطت الضوء على ما يعرف بـ “منحنى البطة”، حيث تتوفر الطاقة الشمسية بكثرة نهاراً لكنها تعجز عن تغطية ذروة الطلب في الصباح والمساء، مما يضطر الدول للعودة إلى الغاز أو حتى الفحم، كما حدث في اليونان وبولندا.
بناءً على تحليلات الخبراء، فإن التحدي الحقيقي يكمن في بناء منظومات ضخمة للتخزين طويل الأجل قادرة على تعويض غياب الغاز بشكل مستدام. إن أزمة الطاقة في أوروبا تدفع حالياً نحو تأجيل إغلاق محطات الفحم في بعض المناطق لضمان أمن الطاقة، وهو تراجع مؤقت عن الأهداف المناخية فرضته الضرورات الأمنية والعسكرية، مما يؤكد أن معركة استقلال الطاقة في أوروبا ستكون طويلة ومكلفة.
اقرأ كذلك: هرمز يفتح أبوابه.. هل تنهي هدنة أبريل أزمة أمن الملاحة الدولية وتنقذ الأسواق؟

نهاية عصر الارتهان للغاز المستورد
وتأثير هذه الصدمة لا يقتصر على الصناعة، بل يتخطى ذلك لينعكس بشكل أساسي على السياسات البيئية الأوروبية بأكملها، حيث أصبح الحاجة لأمن البلاد هو الدافع الرئيسي نحو الطاقة الشمسية والرياح. فقد أكدت الأزمة الحالية بأن الطاقة المتجددة لم تعد خياراً بيئياً فقط، بل صار لزاماً استراتيجياً من أجل الاستقلال عن التبعية السياسية والاقتصادية لأزمات الوقود الأحفوري في الأسواق الدولية.

يمكن الاعتماد على جهود الاتحاد الأوروبي في تقليل الفروقات في الأسعار عن طريق الربط الكهربائي السريع بين الدول الأعضاء. وحتى لو كان الطريق مليئاً بالمخاطر، فإن الأزمة الحالية في الطاقة الأوروبية ستصبح ربما أكبر دافع لختام عصر الغاز والفحم وبداية عهد جديد يتميز بسدود وريتقوده السدود والرياح ومحطات الطاقة النووية لضمان مستقبل أكثر استقراراً للأجيال القادمة.






