تاريخ الوجود الصومالي في بريطانيا يتضمن فصولاً غريبة وغير تقليدية تفوق التصورات الحديثة لهجرة الأجانب، ومن الأمثلة عليه هو معرض “القرية الصومالية” الذي يستضيفه قاعة “كارترايت هول” في مدينة برادفورد. فقد أصبح هذا المعرض الثقافي بمثابة إعادة إحيائنا للقصة الشهيرة لمهرجان “القرية الصومالية”، الذي أقيم في العام 1904، وكان يتم فيه نقل 57 شخصاً من الصومال للعيش والإقامة لمدة ستة أشهر في وسط حديقة “ليستر بارك”.
وهذا الحدث الثقافي الغريب لم يكن هامشياً بالنسبة للأحداث الاستعمارية التي كانت تجري في تلك الفترة العصر الإدواردي، بل كان حدثاً ضخمًا جذب ملايين المشاهدين الذين اطلعوا لأول مرة على ثقافة الصومالية عن قرب ، وإن كان ذلك ضمن سياق العروض الاستعمارية التي كانت سائدة في العصر الإدواردي. إن استعادة هذه الذاكرة اليوم تمنحنا فرصة لفهم كيف ساهمت هذه البدايات المبكرة في تشكيل ملامح المجتمع الصومالي المعاصر في المملكة المتحدة.
مشهد القرية الصومالية وسط الثورة الصناعية
يتناول المعرض تفاصيل الحياة اليومية لتلك المجموعة التي قادها السلطان علي العرفة، وكيف استطاع هؤلاء الرجال والنساء والأطفال التكيف مع أجواء برادفورد الباردة. كانت القرية بمثابة “معرض حي” يضم مساكن تقليدية ومساحات للعروض القتالية والرقصات الشعبية، مما جعلها الوجهة الأكثر إثارة في معرض برادفورد لعام 1904. ومن المثير للاهتمام أن الإقبال الجماهيري كان تاريخياً، حيث بيعت تذاكر لدخول القرية الصومالية بعدد يفوق سكان المدينة أنفسهم، مما يعكس الفضول الشعبي الكبير تجاه هذا الجانب المجهول من تاريخ الوجود الصومالي في بريطانيا. واللافت أن الأرباح الطائلة التي حققتها هذه القرية ساهمت بشكل مباشر في تمويل وتطوير المجموعات الفنية التي لا تزال برادفورد تفتخر بها حتى اليوم.

توثيق الذاكرة عبر المقتنيات النادرة واللقطات الفيلمية
من هنا، فإن الأهداف التي يرغب القائمون على المعرض الوصول إليها تتمثل في تقديم رؤية شاملة تربط بين الحاضر والماضي، حيث يتم عرض العديد من القطع الأثرية والصور الفوتوغرافية وأفلام لم يتم عرضها من قبل في أوروبا. هذه المقتنيات تشمل بطاقات البريد والرسائل المراسلة التي توثق التعاملات التي كان يجريها سكان القرية مع المجتمع المحلي، بالإضافة إلى المواد الأثرية التي تم اكتشافها في الموقع الأصلي للقرية في حديقة “ليستر بارك”. هذه الوثائق ليست فقط لتوثيق الأحداث التاريخية التي جرت في الماضي، وإنما أيضاً من أجل تسليط الضوء على الجوانب الإنسانية لهؤلاء الأشخاص الذين تم نقلهم عنوة من وطنهم ليشكلوا ما يمكن أن نطلق عليه “صناعة الترفيه الإمبراطوري”، وهو ما يضيف طبقات جديدة من الفهم حول تعقيدات تاريخ الوجود الصومالي في بريطانيا وعلاقته العميقة بجذور الهوية الوطنية والشتات.
لمعرفة المزيد: عبقرية جيل الستينات في الصومال.. حينما صاغت الطبيعة عقول الرواد قبل قاعات الدرس

الأثر الاستعماري وصياغة الهوية الصومالية المعاصرة
فعلى الرغم من أن هذا المعرض سوف يستمر لمدة أشهر حتى شهر نوفمبر المقبل، إلا أنه يعتبر خطوة جادة لإعادة ربط التقاليد الاستعمارية البريطانية بالتقاليد الهجرية الصومالية الحديثة، حيث يمكن للزوار من خلال رواية القرية أن يعرفوا الدور الذي قامت به هذه الأحداث في رسم الصورة الأولية للصوماليين في الثقافة والذاكرة الجمعية البريطانية. وبذلك فالعرض الحالية هو ليس مجرد حديث عن الماضي، ولكنه تكريم للشتات الصومالي الذي أصبح يقيم على أرض بريطانيا طوال هذه السنوات العديدة، وقد تمكنت المعرض من دمج الروايات التاريخية مع تجارب الراهنة لتؤكد بأن ليستر بارك لم يعد الآن مكاناً لعرض العروض البشرية الاستعمارية، ولكن مكاناً للتعويض عن هذا الماضي وتكريمه في إطار العلاقات الجديدة بين الجانبين، معلنة بذلك بأن تاريخ الوجود الصومالي في بريطانيا ضارب في القدم كتاريخ الصناعة والثقافة في هذه المدينة.
اقرأ كذلك: طريقة عمل الملوح الصومالي العريق.. من موائد الأباطرة إلى بيوت البسطاء

في الواقع إن قراءة الأحداث القديمة مرة أخرى بعد قرون طويلة من الزمن يظهر كيف تشكلت روابط عميقة بين الجانبين تحت ظروف صعبة للغاية، وما هي إلا الحقيقة تؤكد أن تاريخ الوجود الصومالي في بريطانيا يشكل جزءاً أساسياً من التكوين الاجتماعي والثقافي للمملكة المتحدة، ويعتبر هذا المعرض خطاً فاصلاً عن فترة صامتة من التراث الاستعماري، ليحل محلها رواية غنية تخلد الصمود الثقافي والـ تاريخ الوجود الصومالي في بريطانيا المتعددة، إنها دعوة للجميع لاستكشاف كيف تحولت تلك القرية الصغيرة في برادفورد إلى رمز لبداية علاقة تاريخية طويلة ومستمرة بين الشعبين، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الشتات في سياقه التاريخي الصحيح.






