تاريخ المطبخ الصومالي ليس مجرد قائمة من الوصفات الشهية، بل هو سجل حي للهجرة والهوية والصمود، وهو ما جسدته الشيف عفرة أحمد في كتابها الأول “صوماليا: طعام، ذاكرة، وهجرة”. إن تاريخ المطبخ الصومالي، كما تطرحه عفرة، يمثل “رسالة حب” موجهة إلى الشعب الصومالي وتاريخه العريق، حيث يسلط الكتاب الضوء على كيفية صياغة النزاعات والنزوح للمائدة الصومالية في بلاد المهجر. عبر 75 وصفة متنوعة، تأخذنا المؤلفة في رحلة تبدأ من “أرض القرفة” القديمة على طريق الحرير، وصولاً إلى مطابخ بروكلين ولندن، لتؤكد أن كل طبق صومالي يحمل في طياته حكاية صراع وبقاء.
الطعام كأرشيف للهوية والتهجير
يتصدر المشهد اليوم هذا العمل الأدبي الذي يعد من بين قلة من الكتب التي توثق الثقافة الغذائية الصومالية كتابياً؛ فالمجتمع الصومالي اعتمد تاريخياً على الرواية الشفهية والممارسة العملية لنقل أسرار المطبخ. والحقيقة أن تاريخ المطبخ الصومالي تعرض لخطر الفقدان نتيجة عقود من الحرب الأهلية التي شتتت شمل العائلات وهجرت الملايين.
وبالتالي، يتضح أن عفرة هو أرشيف وطني يتمتع به هذا التراث لتوفير الحماية له ضد الزوال، وخاصة للأجيال الشابة المنتشرة في جميع أنحاء العالم التي تعشق الارتباط مع جذورها. وعفرة، التي هاجرت من مقديشو في العام 1996، تمتلك ذاكرة الأمهات والجدات وترجع إلى المكتبات الصوتية لجمع شتات الوصفات التي لم تدوّن من قبل، لتصنع جسراً يربط بين الماضي والحاضر.
اقرأ كذلك: طريقة عمل الملوح الصومالي العريق.. من موائد الأباطرة إلى بيوت البسطاء

التأثيرات الاستعمارية والابتكار المحلي
يرجع التنوع في المطبخ الصومالي إلى اختلاف الثقافات حيث أن وجود المعكرونة في مطبخ البلاد نتج عن الاحتلال الإيطالي ولكن الأهم من ذلك أنه لم يتوقف عند التقليد بل اكتشف مرة أخرى مبتكرًا ما سمي “الباستا” بصفة خاصة. ويمكن رؤية تاريخ المطبخ الصومالي بشكل واضح في طبق “بريس إسكوكاريس” (الأرز المتبل) الذي يستخدم بهارات “الحوايج” (xawaash) المحلية مع التأثيرات العالمية التي ينتج عنها نكهة متميزة.
وفي أماكن المهجر، يتواصل هذا التاريخ مع تغييرات إجبارية في الابتكار حيث أن بعض الصوماليين الذين يعيشون في شمال غرب المحيط الهادئ قد استخدموا الحشوة الخاصة بـ “سلمون” بدلاً من الحشوات المحلية لتوفر الأسماك، بينما استخدم بعض الصوماليين “التورتيلا” كبديل لعجينة السمبوسة. هذا النوع من التكيف يثبت أن تاريخ المطبخ الصومالي ليس ثابتاً، بل هو كيان حي يتنفس ويتغير مع كل محطة جديدة يصل إليها المهاجرون.
لمعرفة المزيد: أرض البونت.. بلد الفرص المنسية

المطبخ كأداة للمقاومة السياسية
وليس العامل الثقافي هو الوحيد الذي يتعرض له هذا الكتاب؛ حيث يكون هذا الكتاب ذات أبعاد سياسية في وقت يتمتع فيه المهاجرون الصوماليون في الولايات المتحدة إلى ضغوط وتشويه متعمد، فتاريخ المطبخ الصومالي قد أصبح خلال السنوات الأخيرة وسيلة مقاومة، حيث يتم الإشارة من خلال الكتاب إلى أنه يتم في مينابوليس إعطاء “السمبوسة” كوسيلة لتوضيح الترابط الاجتماعي والحقوق التي تمتعوا بها.

يأتي الرهان من خلال الأجيال القادمة على الحفاظ على هذا الإرث الغني. وعلى الرغم من المشكلات اللوجستية الخاصة بالحصول على بعض المكونات، فإن هناك أملاً في استمرار تاريخ المطبخ الصومالي من خلال المشاريع الخاصة بمزارع الإبل في ولاية ميسوري، وهو الأمر الذي يجعل من هذا التاريخ دائمًا تاريخ على طبق.






