كسوة الكعبة تشهد في العصر الحالي ارتباطاً وثيقاً باللون الأسود المهيب المزين بالنقوش الذهبية البراقة، إلا أن هذا الثبات اللوني الحالي يخفي وراءه تفاصيل تاريخية مثيرة للغاية، حيث تغيرت ألوان الحرير والأقمشة التي غطت جدران البيت الحرام مراراً وتكراراً عبر العصور المختلفة تبعاً للظروف السياسية والإمكانات الاقتصادية لكل حقبة إسلامية قبل الاستقرار على المظهر المهيب الحالي.
وجاءت هذه التحولات الموثقة لتكشف عن تنوع الثقافات الدبلوماسية وصناعة النسيج التي شاركت فيها كبرى الحواضر العريقة، حيث لم تكن تقتصر عملية التطوير على جودة الخامات فحسب بل شملت تبديل الألوان الأساسية بالكامل من الأحمر إلى الأبيض ثم الأخضر، وصولاً إلى اللون الأسود الذي استمر كرمز لغطاء الحرم الشريف لأكثر من 1200 عام.
اللون الأحمر
كسوة الكعبة بدأت تاريخياً قبل ظهور الإسلام بالاعتماد على اللون الأحمر القاني، حيث كان يتم جلب الأقمشة الفاخرة المخصصة لهذا الغرض من جبال وأسواق دولة اليمن السعيد، والتي كانت تصنف آنذاك كأجود وأنقى أنواع المنسوجات المتاحة في شبه الجزيرة العربية بأكملها.
قد يهمك: تاريخ الحج في الصومال.. رحلات المعاناة والتواصل الثقافي عبر القرن الأفريقي

وامتازت تلك الحقبة بالتنافس القبلي لتقديم أفضل المنسوجات لغطاء البناء القديم، وظل هذا اللون رمزاً للفخامة والتميز البصري لدى العرب حتى دخلت المنطقة عهداً جديداً غيّر بالكامل من ملامح الطقوس الرسمية المتبعة في تزيين جدران الحرم.
اللون الأبيض

كسوة الكعبة شهدت تحولاً جذرياً بعد ظهور الدين الإسلامي، حيث أصدر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) توجيهاته بتغيير اللون إلى الأبيض الناصع، وجرى استيراد الأقمشة الراقية من مصر والتي كانت تُغزل وتُصنع ببراعة فائقة على أيدي الأقباط المهرة في وادي النيل.
واستمر الاعتماد على الغطاء الأبيض الخالص كشعار رسمي وبصري للبيت الحرام لسنوات طويلة تمتد من العام الأول للهجرة النبوية وحتى العام الحادي عشر، مما أضفى طابعاً من البساطة والقدسية التي تماشت مع مبادئ العهد الإسلامي الجديد.
لمعرفة المزيد: إعلان المحكمة العليا السعودية عن موعد وقفة عرفة وعيد الأضحى المبارك لعام 2026
اللون الأخضر

كسوة الكعبة دمجت لاحقاً بين اللونين الأبيض والأخضر خلال عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية، حيث استمر هذا المزج اللوني المميز يغطي أركان الحرم الشريف بدءاً من العام 11 هـ وحتى عام 132 هـ، وظل الأخضر حاضراً في المنسوجات حتى عام 198 هـ. وكان اختيار هذه الألوان يعكس التوجهات السياسية والدينية للخلافة الإسلامية في تلك العصور، حيث اعتبر اللون الأخضر رمزاً للنماء والسلام والازدهار الذي شهده المجتمع الإسلامي مع اتساع رقعة الدولة شرقا وغرباً.
قد يهمك: تاريخ بناء الكعبة المشرفة ومراحل تشييدها عبر العصور الإسلامية المختلفة
اللون الأسود
كسوة الكعبة استقرت على اللون الأسود الملكي المطرز بالخيوط الذهبية بدءاً من عام 206 هـ، وفي عام 648 هـ جرى تعزيز هذا المظهر رسمياً بإضافة الآيات القرآنية المكتوبة بماء الذهب الخالص، وهو الأسلوب المستمر في التزيين والتطريز حتى وقتنا الحاضر.

وتتولى المملكة العربية السعودية منذ عام 1962 م الإشراف الكامل على التصنيع، حيث أسس الملك فيصل مصنعاً مخصصاً عام 1972 م، وجرى تحديث الآلات كلياً عام 2017 م بأمر من الملك سلمان بن عبد العزيز ليصبح المصنع الأحدث عالمياً ويعمل به أكثر من 200 خبير لإنتاج ثوب تبلغ تكلفته نحو 6 ملايين دولار.






