طغاة أفريقيا كتبوا بالدم فصولاً مظلمة من تاريخ القارة الحديث الممتد من سبعينيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية الجديدة، حيث عاشت شعوبهم عقوداً من الترويع الممنهج والتصفيات السياسية والإعدامات الميدانية والاعتقالات القسرية وابتكار أبشع وسائل التعذيب داخل السجون السرية، مما جعل هؤلاء الحكام الوجه الأكثر دموية في الديكتاتورية المفرطة.
ووفقاً لتقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، فإن طغاة أفريقيا يمثلون حقبة سوداء لقادة تربعوا على عرش السلطة بالحديد والنار مثل عيدي أمين دادا في أوغندا ومنغستو هايلي ماريام في إثيوبيا وعمر البشير في السودان وتشارلز تايلور في ليبيريا وإيسيان هابري في تشاد.
حكم عيدي أمين

اعتلى عيدي أمين سدة الحكم في أوغندا عقب انقلاب عسكري أطاح بالرئيس ميلتون أوبوتي في يناير من عام 1971 م، ليدخل البلاد سريعاً في نفق مظلم من الحكم الفردي المطلق عبر إلغاء البرلمان والأحزاب السياسية ومنح الأجهزة الأمنية صلاحيات مطلقة للاعتقال والقتل دون أي محاكمة قضائية.
وجسد هذا النظام الوجه الأكثر دموية في قتل وتصفية المعارضين، حيث تشير التقارير التاريخية إلى أن طغاة أفريقيا اعتمدوا دائماً على سحق الخصوم لضمان البقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة.
ومن أبرز الضحايا الذين سقطوا في تلك الفترة كان رئيس المحكمة العليا بينيديكتو كيوانوكا في عام 1972 م بسبب دفاعه المستميت عن استقلال القضاء، بالإضافة إلى اغتيال رئيس الأساقفة الأوغندي جاناكي لوموم وتصفية نحو 400 مسيحي كاثوليكي في منطقة ماساكا عام 1977 م.
ونفذ هذا النظام إعدامات علنية جماعية شملت 15 رجلاً في سبتمبر من عام 1977 م، إلى جانب عمليات تطهير عرقي واسعة استهدفت قبائل الأشولي واللانجي وتتراوح تقديرات الضحايا الإجمالية بين 50 ألفاً و300 ألف قتيل.
وعقب الإطاحة به عام 1979 م، لجأ أمين إلى المملكة العربية السعودية حيث عاش فيها حتى وفاته عام 2003 م دون أن يمثل أمام العدالة الدولية.
قمع منغستو

قاد منغستو هايلي ماريام حملة قمع وحشية عُرفت تاريخياً باسم الرعب الأحمر بين عامي 1977 و1978 م في إثيوبيا، واستهدفت الحملة بشكل مباشر وجماعي المعارضين السياسيين والمجموعات العرقية مثل التيغراي والإريتريين والأورومو مما حجز له مقعداً بارزاً في سجلات الاستبداد.
وكان طغاة أفريقيا يتفننون في أساليب الترهيب، حيث كان يتم إلقاء جثث الضحايا في الشوارع العامة لترهيب العامة من الناس وإجبار الأهالي على دفع قيمة الرصاص الذي قُتل به أبناؤهم كشرط أساسي لاستلام جثامينهم ودفنها.
وعثرت فرق البحث الجنائي الدولية لاحقاً على مقابر جماعية تضم جثثاً خُنقت بحبال نايلون خضراء، بالإضافة إلى وثائق ومقاطع فيديو توثق التعذيب بتوقيع منغستو شخصياً لإدانته أمام العالم.
وأدانته محكمة إثيوبية غيابياً عام 2008 م بتهم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وقضت بإعدامه شنقاً، لكنه ظل لاجئاً في زيمبابوي منذ فراره إليها في عام 1991 م مستفيداً من الحماية السياسية هناك.
قد يعجبك: روايات حفظ السلام في الصومال.. الحقيقة والتاريخ وراء حديث رئيس بوتسوانا عن مواجهة الجنرال عيديد
حروب البشير

وصل عمر البشير إلى السلطة في السودان عبر انقلاب عسكري عام 1989 م ليمتد حكمه لثلاثة عقود متتالية، وارتبطت هذه الفترة الطويلة في أذهان المجتمع الدولي بالحروب الأهلية الطاحنة وأزمة إقليم دارفور الدامية التي اندلعت بين عامي 2003 و2008 م.
واجه البشير اتهامات ثقيلة من المحكمة الجنائية الدولية بالوقوف وراء عمليات إبادة جماعية استهدفت قبائل الفور والمساليت والزغاوة، إلى جانب جرائم ضد الإنسانية شملت القتل والاغتصاب الممنهج والتهجير القسري لملايين المدنيين من قراهم.
وعقب الإطاحة به إثر ثورة شعبية عارمة في عام 2019 م، أُودع السجن داخل السودان مع بقاء أوامر القبض الدولية الصادرة بحقه سارية المفعول حتى اليوم. ويؤكد الباحثون في الشأن السياسي أن طغاة أفريقيا تشابهوا في نهاياتهم المأساوية بعد عقود من الانفراد بالسلطة والثروة وتهميش الشعوب.
قد يهمك: سرية العائلة الحاكمة في كوريا الشمالية.. لماذا يخفي كيم جونغ أون هوية والدته وتاريخها الياباني؟
جرائم تايلور

برز تشارلز تايلور كأحد أعنف قادة التمرد في غرب القارة عقب إشعاله الحرب الأهلية في ليبيريا عام 1989 م، وذلك قبل أن يتولى الرئاسة رسمياً عام 1997 م مخلّفاً إرثاً كبيراً من الدمار والخراب.
واتُهمت قواته بارتكاب مجازر بشعة واغتصابات ممنهجة وبتر أطراف المدنيين وتجنيد الأطفال قسرياً للقتال في الصفوف الأمامية.
وامتدت انتهاكاته الجسيمة إلى الجارة سيراليون عبر دعمه المباشر لجبهة الاتحاد الثوري بقيادة فوداي صانكو خلال الحرب الأهلية هناك بين عامي 1991 و2002 م، حيث خُيّر المدنيون هناك بين بتر أيديهم أو أرجلهم في مشاهد مروعة صدمت الضمير العالمي.
واعتُقل تايلور لاحقاً في نيجيريا ونُقل إلى محكمة خاصة في هولندا، حيث حُكم عليه عام 2012 م بالسجن لمدة 50 عاماً لإدانته الكاملة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
لمعرفة المزيد: تجارة الأعضاء.. عصابات التهريب الدولية تبتز المهاجرين في الأراضي الليبية
تعذيب هابري

أدار هيسين هابري دولة تشاد بقبضة أمنية حديدية عبر جهاز الاستخبارات المخيف بين عامي 1982 و1990 م، وسجلت فترة حكمه انتهاكات مروعة قادت إلى محاكمته تاريخياً كأحد الحكام الذين يشار إليهم بالبنان عند الحديث عن طغاة أفريقيا.
وابتكر نظامه أسلوب الربط الرباعي القاسي وهو ربط الأطراف خلف الظهر بإحكام لقطع تدفق الدم تماماً والتسبب في إعاقة دائمة للضحية، بالإضافة إلى الصعق بالكهرباء والتعذيب بالإيهام بالغرق داخل الزنازين المظلمة.
وقدرت لجان التحقيق التشادية مقتل نحو 40 ألف شخص لأسباب سياسية وتعرض 200 ألف لحالات تعذيب وحشي وممنهج خلال ثماني سنوات فقط من الحكم.
وفر هابري إلى السنغال عام 1990 م بعد الإطاحة به، وقضت محكمة أفريقية خاصة في داكار عام 2016 م بسجنه مدى الحياة، حيث توفي داخل محبسه في عام 2021 م متأثراً بإصابته بفيروس كورونا.






