يستيقظ لبنان اليوم على وقع طبول الدبلوماسية المتعثرة في واشنطن، حيث من المقرر أن تجرى مفاوضات لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية لمحاولة احتواء الانفجار العسكري الكبير الذي يعصف بالبلاد.
تأتي هذه المحادثات في لحظة شديدة الحساسية، فلبنان الذي يواجه واحدة من أعنف موجات القصف الإسرائيلي منذ سنوات، يدخل قاعة المفاوضات وهو يفتقر تماماً لأوراق الضغط الحقيقية، بينما تسيطر لغة السلاح والدمار على المشهد الميداني في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية. وإسرائيل تسبب هذه القصفات بأن حزب الله وقواتها العسكرية موجدة ف الناحية الجنوب.
جوزيف عون.. حلم نزع السلاح في مهب الريح
في قصر بعبدا الرئاسي، يبدو الرئيس جوزيف عون، وكأنه يحاول الإمساك بزمام الأمور في بلد تتجاذبه القوى الإقليمية.
عون الذي تولى منصبه بعد حرب مدمرة سابقة، كان قد وعد شعبه والمنظومة الدولية بالعمل على نزع سلاح حزب الله وجعل الدولة هي المالك الوحيد للقوة العسكرية.
ومع ذلك، يجد الرئيس نفسه اليوم في موقف لا يحسد عليه، حيث أدت الأحداث المتسارعة منذ مطلع عام 2026 إلى تعقيد هذا الملف بشكل غير مسبوق.
إن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، في فبراير الماضي، وما تبعه من قصف صاروخي متبادل بين حزب الله وإسرائيل، جعل من الحديث عن نزع السلاح “بالقوة” أمراً يشبه الانتحار السياسي الذي قد يجر البلاد إلى حرب أهلية جديدة يخشاها الجميع.
اقرأ كذالك: المحادثات الأمريكية الإيرانية في باكستان.. تفاؤل ممزوج بهشاشة وقف إطلاق النار

المفاوضات بلا مخالب.. بيروت في مواجهة الواقع
عندما ننظر إلى مفاوضات لبنان وإسرائيل المرتقبة، نجد أن الحكومة اللبنانية الرسمية تقف كطرف وسيط ضعيف لا يملك سلطة فعلية على الأرض. حزب الله، الذي يمتلك ترسانة عسكرية تتجاوز قدرات الجيش اللبناني المنهك اقتصادياً، يرفض بشكل قاطع مناقشة سلاحه في أي تسوية سياسية حالية.
وبالنسبة للمجتمع الدولي ونظرته حول مفاوضات لبنان وإسرائيل المرتقبة، تظل معضلة “من يقرر السلم والحرب في لبنان” هي العقدة التي لا حل لها. ويرى المحللون السياسيون أن الوفد اللبناني المتوجه إلى واشنطن لا يحمل في جعبته أي تنازلات ملموسة يمكن تقديمها لإسرائيل مقابل وقف إطلاق النار، لأن القرار النهائي بوقف الهجمات أو سحب المقاتلين يتجاوز حدود القرار اللبناني المستقل ليصل إلى طهران.

الانقسام الشعبي.. خوف وجودي أم ولاء أيديولوجي؟
يعكس الواقع اللبناني الداخلي شرخاً عميقاً تظهره استطلاعات الرأي الأخيرة. فبينما تؤيد الغالبية العظمى من المسيحيين والدروز والسنة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني فقط، ترفض الغالبية العظمى من الطائفة الشيعية هذا التوجه، معتبرة أن سلاح حزب الله هو الدرع الوحيد الذي يحمي قراهم وأراضيهم من الأطماع الإسرائيلية.
هذا الخوف الوجودي هو ما يجعل نزع السلاح عملية مستحيلة تقريباً دون حدوث كارثة وطنية. الجيش اللبناني، الذي يعاني من نقص التمويل والمعدات، لا يملك القدرة ولا الإرادة للدخول في مواجهة مباشرة مع جزء كبير من شعبه، وهو ما يجعل شعار “احتكار الدولة للسلاح” مجرد حلم بعيد المنال في الوقت الراهن.
قد يهمك: أسباب رفض إيران وقف إطلاق النار المؤقت مع الولايات المتحدة وإسرائيل

إسرائيل وسياسة المنطقة العازلة.
على الجانب الآخر من الحدود، تسعى إسرائيل من خلال عملياتها البرية والجوية المكثفة إلى فرض واقع جديد يتمثل في إنشاء “منطقة عازلة” داخل الأراضي اللبنانية.
هذه السياسة تهدف إلى إبعاد مقاتلي حزب الله عن المستوطنات الشمالية، لكنها في المقابل تؤدي إلى نزوح أكثر من مليون وربع المليون لبناني، معظمهم من الشيعة الذين فقدوا بيوتهم وأرزاقهم. هذا النزوح الهائل تسبب في توترات طائفية حادة داخل المناطق اللبنانية التي استقبلت النازحين، حيث يسود القلق من أن تتحول هذه المخيمات والمساكن المؤقتة إلى بؤر دائمة للنزاع أو لأهداف عسكرية إسرائيلية جديدة.
قد يعجبك: حرب إيران تهدد الغذاء العالمي
المصدر والآفاق المستقبلية
إن الترقب لما ستسفر عنه مفاوضات لبنان وإسرائيل في واشنطن اليوم يشوبه الكثير من التشاؤم. فالوسطاء الدوليون يدركون أن استقرار لبنان لا يمر فقط عبر تفاهمات حدودية، بل يحتاج إلى إصلاح سياسي واقتصادي شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة التي انهارت تحت وطأة الأزمات المتلاحقة.
ومع استمرار القصف والدمار، يظل المواطن اللبناني العادي هو الضحية الوحيدة في صراع الأفيال هذا، حيث يشعر الجميع بأنهم عالقون في حلقة مفرغة من الحروب التي لا تنتهي.






