اتفاقيات أبراهام تصدرت واجهة الأحداث السياسية الدولية في مايو 2026، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن شرط جديد ومفاجئ لإبرام الاتفاق المرتقب مع طهران، يربط فيه بين تسوية الملف الإيراني وضرورة قيام دول إقليمية وازنة بتطبيع علاقاتها رسمياً مع إسرائيل.
وشدد ترامب على أن إتمام “الاتفاق الإيراني” التاريخي يتطلب توقيع ست دول أساسية على اتفاقيات أبراهام في وقت واحد، وهي: المملكة العربية السعودية، وقطر، وباكستان، وتركيا، ومصر، والأردن، معتبراً هذه الخطوة جزءاً لا يتجزأ من صياغة واقع أمني وسياسي جديد في المنطقة.
وأوضح ترامب في تدوينة له عبر منصة “إكس” (تويتر سابقاً) بتاريخ 25 مايو، أن الولايات المتحدة بذلت جهوداً هائلة لتجميع قطع هذه “الأحجية المعقدة”، وبالتالي فإنه يتعين على هذه الدول الانضمام إلى الاتفاقيات كشرط متزامن ومحوري للمضي قدماً في التهدئة مع طهران.
جذور الاتفاق والتحولات الجيوسياسية بعد حرب غزة
ترتبط أبعاد الشروط الراهنة بمسار اتفاقيات أبراهام التي انطلقت في سبتمبر 2020 خلال الولاية الأولى لترامب، وشهدت توقيع الإمارات والبحرين، قبل أن تنضم إليها لاحقاً دول مثل السودان، والمغرب، وكازاخستان، بهدف بناء شبكة علاقات دبلوماسية واقتصادية مباشرة مع إسرائيل.
إلا أن هذا المسار واجه حالة من عدم اليقين والمقاومة الدبلوماسية الشديدة عقب اندلاع حرب غزة؛ حيث تتمسك دول خليجية فاعلة، وفي مقدمتها السعودية وقطر، بموقف مبدئي صارم يرفض أي خطوة نحو التطبيع قبل التوصل إلى حل عادل وشامل يتضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
وعلى الرغم من إشارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب مع طهران، إلا أن الجانب الإيراني أبدى تحفظاً واضحاً، مؤكداً أنه رغم تحقيق بعض التقدم في المفاوضات، إلا أن توقيع اتفاق نهائي وشيك لا يزال بعيد المنال في ظل الشروط المستجدة.

العلاقات التركية الإسرائيلية ومحددات الموقف الحالي
يتكامل ملف اتفاقيات أبراهام مع قراءة طبيعة العلاقات التاريخية بين أنقرة وتل أبيب؛ إذ تعد تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة اعترفت بإسرائيل عام 1949، وجمعهما تعاون أمني وعسكري واسع خلال حقبة التسعينيات رغم التذبذبات السياسية المستمرة.
وتمر العلاقات الثنائية حاليّاً بأضعف مستوياتها التاريخية؛ فبعد التوترات المتراكمة منذ حادثة سفينة “مافي مرمرة” عام 2010، بلغت الأزمة ذروتها عقب العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة ردّاً على هجمات السابع من أكتوبر 2023، مما دفع أنقرة لسحب سفيرها.
وتشترط تركيا لعام 2026 إحداث أي تقارب أو مراجعة للعلاقات مع إسرائيل بوقف كامل ونهائي للعمليات العسكرية ضد الشعب الفلسطيني، والتوصل لاتفاق شامل لوقف إطلاق النار، مع اتخاذ خطوات عملية وملموسة لتحسين الأوضاع المعيشية والإنسانية للمدنيين في قطاع غزة.

الاتصالات الدبلوماسية وهوامش الاستثناء الأمريكية
تتقاطع مآلات اتفاقيات أبراهام مع المشاورات المكثفة التي أجراها البيت الأبيض مع قادة الدول المعنية بالملف الإقليمي؛ حيث أشار ترامب إلى أن قائمته شملت دولاً شريكة بالفعل مثل الإمارات والبحرين، بالإضافة إلى الأطراف الستة المستهدفة بالشرط الجديد.
وترك الرئيس الأمريكي هامشاً مرناً للاستثناء بقوله إن “دولة أو دولتين قد تمتلك أسباباً خاصة لعدم المشاركة في الوقت الراهن، وهو أمر مقبول”، مؤكداً في الوقت ذاته أن أغلبية الدول المستهدفة تمتلك الجاهزية والقدرة على جعل الاتفاق حدثاً تاريخياً كبيراً.
قد يهمك: مفاوضات واشنطن وطهران.. ترامب يعلن التوصل لإطار اتفاق تاريخي يضمن إعادة فتح مضيق هرمز
مستقبل التوازن الإقليمي ومصير الاتفاق النووي
في الختام، يظهر أن ربط اتفاقيات أبراهام بالملف النووي والإقليمي الإيراني يمثل مناورة سياسية معقدة لعام 2026، تهدف واشنطن من خلالها إلى إعادة هندسة التحالفات الشرق أوسطية بشكل يضمن دمج إسرائيل ومحاصرة النفوذ الراديكالي كحزمة واحدة.

وستكشف الأيام المقبلة عن مدى قدرة الأطراف الإقليمية على الصمود أمام الضغوط الأمريكية، وما إذا كانت هافانا وأنقرة والرياض ستنجح في فرض شروطها المتعلقة بالحقوق الفلسطينية، أم أن حافة الهاوية الاقتصادية والأمنية ستدفع نحو تنازلات متبادلة غير مسبوقة.






