موجة حر شديدة تجتاح دول غرب ووسط القارة الأوروبية في الوقت الراهن، مما دفع السلطات الرسمية في بريطانيا، وإسبانيا، وفرنسا إلى إصدار تحذيرات باللون الأحمر نتيجة الارتفاع المتصاعد في درجات الحرارة وتوقعات بتجاوزها حاجز 40 درجة مئوية في العديد من المناطق السكنية.
وتعيش أكثر من نصف الأراضي الفرنسية حالياً تحت تأثير هذه الأجواء الساخنة، حيث تأتي كل موجة حر شديدة لتفرض واقعاً يتطلب إغلاق مئات المدارس التعليمية لحماية الطلاب، في حين رصدت التقارير وفاة ما لا يقل عن 40 شخصاً غرقاً خلال الأيام الماضية أثناء محاولتهم السباحة في مجاري مائية غير خاضعة للرقابة هرباً من القيظ.
وأكدت وزيرة الرياضة والشباب الفرنسية، مارينا فيراري، أن تدفق المواطنين نحو الأنهار والقنوات المائية للتخفيف من وطأة الحر يتضمن مخاطر كبيرة ومأساوية، لاسيما في الأماكن المفتوحة التي تفتقر لفرق الإنقاذ المؤهلة.
اتساع نطاق التحذيرات
تتزامن موجة حر شديدة مع توقعات الأرصاد الجوية في ألمانيا بوصول درجات الحرارة إلى 40 مئوية في الأجزاء الغربية والجنوبية الغربية، في حين حذرت وكالة الأرصاد في إسبانيا من ملامسة المؤشر لحافة 44 درجة مئوية في بعض المقاطعات خلال هذا الأسبوع.
وفي المملكة المتحدة، تسببت موجة حر شديدة في إصدار مكتب الأرصاد الجوية إنذاراً أحمر اللون يشمل أجزاء واسعة من إنجلترا وويلز، وسط توقعات بتسجيل 38 درجة مئوية، بينما اتخذت دول مثل سويسرا، وإيطاليا، ولوكسمبورغ إجراءات تحذيرية مماثلة لمواجهة الطقس القاسي.
قد يعجبك: تأثير التغيرات المناخية على حياتنا وأسبابها

وعزا خبراء الطقس هذا الارتفاع المفاجئ إلى اندفاع كتل هوائية ساخنة من شمال الصحراء الكبرى وبقائها محاصرة فوق الأجواء الأوروبية نتيجة تمركز نظام ضغط جوي مرتفع وقوي يُعرف باسم “المرتفع الجوي الإفريقي”.
ظاهرة القبة الحرارية
تتأثر المنطقة بما يُعرف بظاهرة “القبة الحرارية” التي تساهم في مضاعفة وتيرة ومدة الاستمرار؛ وتعمل هذه الظاهرة كغطاء هوائي عملاق يمنع تشكل السحب ويسمح لأشعة الشمس بتسخين سطح الأرض بشكل متواصل ودون انقطاع.
- آلية الضغط: يتسبب الهواء الهابط من نظام الضغط المرتفع في زيادة شدة انضغاط جزيئات الهواء وتركزها، مما يرفع حرارتها ذاتياً على غرار ما يحدث داخل مضخة الدراجة الهوائية.
- حبس الحرارة: يؤدي هذا البناء الجوي إلى حبس الهواء الساخن في بقعة جغرافية ثابتة لفترات طويلة، مما يضع السكان تحت وطأة طقس خانق ومستمر.
- فروق حرارة البحار: تنشأ هذه المنظومة بفعل التغيرات الحادة في درجات حرارة مياه المحيطات، حيث تنتقل الحرارة من الماء إلى الغلاف الجوي وتدفعها الرياح نحو اليابسة لتتحصن هناك بين منخفضين جويين.
قد يهمك: طغاة أفريقيا: خمسة أنظمة خلّفت تاريخاً دموياً في القارة

التغيرات المناخية
يربط العلماء بين تكرار موجة حر شديدة وبين التغيرات المناخية الناتجة عن الأنشطة البشرية، وفي مقدمتها الانبعاثات الغازية الدفيئة الناتجة عن إحراق الفحم، والنفط، والغاز الطبيعي في المنشآت الصناعية.
من بين 51 موجة حر سُجلت في فرنسا منذ عام 1947، رُصدت 34 موجة منها بعد عام 2000، و26 موجة منذ عام 2011 فقط. – هيئة الأرصاد الفرنسية
لمعرفة المزيد: قلق برن.. انقسام تاريخي حول مقترح تجميد النمو السكاني عند 10 ملايين

وتشير تقديرات الأرصاد الجوية البريطانية إلى أن حدة القيظ المعاصر تضاعفت بنحو 10 مرات مقارنة بالفترات التاريخية السابقة، كما أن المدة الزمنية لبقاء هذه الموجات في الأجواء تضاعفت تقريباً خلال الخمسين سنة الماضية، مما يشكل تحدياً بيئياً وصحياً كبيراً للمجتمعات الراهنة، حيث تفرض كل موجة حر شديدة واقعاً جديداً يتطلب الاستعداد المستمر.






