عادت قلعة الشقيف أرنون، المعروفة تاريخياً في المراجع الغربية باسم “قلعة بوفورت” (Beaufort)، لتتصدّر المشهد السياسي والعسكري في جنوب لبنان. وجاء ذلك عقب إعلان الجيش الإسرائيلي عن إطباق سيطرته الكاملة على هذا الموقع الإستراتيجي الواقع في بلدة أرنون بمحافظة النبطية، بعد سلسلة من المواجهات الميدانية العنيفة والإسناد الجوي والبري المكثف.
وتقع القلعة فوق قمة صخرية شاهقة تشرف بشكل مباشر على نهر الليطاني وسهول الجنوب اللبناني، مما يمنحها أهمية عسكرية فائقة في مراقبة وإدارة العمليات الميدانية بالمنطقة. وفي ظل التصعيد الراهن بين إسرائيل وحزب الله، أدانت بلدية أرنون الاستهدافات الأخيرة التي طالت القلعة، معتبرة إياها اعتداءً صارخاً على موقع أثري وتراثي مدرج تحت بند “الحماية المعززة” منذ عام 2024 بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح.
الجذور التاريخية والهندسية
تضرب قلعة الشقيف أرنون بجذورها في أعماق التاريخ، ورغم تباين المصادر حول الهوية الأولى لمؤسسيها بين الفينيقيين والرومان، إلا أن الثابت تاريخياً هو إعادة بنائها وتحصينها إبان العهد الصليبي في القرن الثاني عشر الميلادي. واشتُق اسمها الغربي “بوفورت” من الفرنسية القديمة ليعني “الحصن الجميل”، في إشارة إلى موقعها المرتفع وإطلالتها البانورامية الشاملة.
تتميز القلعة بطراز معماري فريد يدمج بين الهندسة الصليبية والأسلوب الإسلامي الشرقي. وقد شُيدت على جرف صخري شاهق يجعل من الصعب اختراقها أو الوصول إليها من عدة جهات، كما تضم تحصينات داخلية معقدة تشمل:
- غرفاً ومقاصير محصنة ومبنية من الحجر الصلب.
- صهاريج ضخمة لتخزين المياه وآباراً جوفية صُممت لتمكين المقاتلين من الصمود لفترات طويلة أثناء الحصار.
وخلال الحروب الصليبية، شكلت القلعة جزءاً من شبكة الحصون المخصصة لحماية طرق التجارة والاتصالات في بلاد الشام بين الساحل والداخل. وفي عام 1190، خضعت القلعة لسيطرة صلاح الدين الأيوبي بعد معارك ضارية، لتشهد بعدها تقلبات وتعاقباً في السيطرة، وصولاً إلى فترات ترميم وتوسيع خلال العهدين المملوكي والعثماني.
قد يهمك: أزمة الحكم في كوبا.. ملاحقة راؤول كاسترو تفتح باب التكهنات حول التدخل الأمريكي

المحطات المعاصرة
بالرغم من تراجع الأدوار العسكرية التقليدية للحصون القديمة، إلا أن قلعة الشقيف أرنون عادت إلى واجهة الصراعات المسلحة في منتصف القرن العشرين مع اشتعال الصراع العربي الإسرائيلي وتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
وخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، تحولت القلعة إلى واحدة من أعنف نقاط الاشتباك بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية والقوى اللبنانية المتحالفة معهم، والذين استغلوا طبيعتها الصخرية وتحصيناتها الأثرية في المقاومة الميدانية. وعقب السيطرة عليها آنذاك، حولتها القوات الإسرائيلية إلى موقع عسكري متقدم داخل ما عُرف بـ “الشريط الحدودي” حتى عام 2000، مستغلة ارتفاعها الشاهق لمراقبة تحركات حزب الله والقرى المحيطة. وبعد الانسحاب الإسرائيلي في مايو 2000، استعادت الدولة اللبنانية السيطرة على هذا المعلم التاريخي.
قد يعجبك: التوتر الأمريكي العماني.. كيف تؤثر التهديدات المتبادلة على ممرات الطاقة والأمن البحري في الخليج؟

الرمزية الثقافية والسياحية
بعيداً عن الصراعات المسلحة، تمتلك قلعة الشقيف أرنون قيمة ثقافية وسياحية وتراثية كبرى تجسد تعاقب الحضارات في بلاد الشام. فخلال السنوات التي تلت عام 2000، أُطلقت جهود رسمية وأهلية لترميم أجزاء واسعة من القلعة وإعادة فتحها أمام الزوار والسياح اللبنانيين والأجانب، بالرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت ببنيتها جراء الحروب والتفجيرات السابقة.
لمعرفة المزيد: التعاون العسكري الأفغاني.. كابول وموسكو تبرمان اتفاقاً دفاعيّاً لتعزيز منظومة سلاح الجو

وقد تحولت القلعة بمرور الوقت إلى مركز حيوي للذاكرة الجماعية لأهالي جنوب لبنان، وساحة لاستضافة الفعاليات الفنية والثقافية، لتظل رمزاً للصمود وشاهداً حياً على التحولات السياسية والعسكرية عبر العصور.






