أزمة الحكم في كوبا تصدرت المشهد السياسي الدولي في مايو 2026، عقب إعلان القضاء الأمريكي توجيه اتهامات جنائية بالقتل ضد الرئيس الكوبي الأسبق راؤول كاسترو البالغ من العمر 94 عاماً، مما أثار تكهنات واسعة حول رغبة واشنطن في تغيير النظام الشيوعي القائم في هافانا منذ 66 عاماً.
وتأتي هذه التطورات القانونية بالتزامن مع تطبيق الإدارة الأمريكية استراتيجية “الضغط الأقصى” عبر تشديد العقوبات الاقتصادية، مما تسبب في أزمة وقود وانقطاع حاد للكهرباء ونقص الغذاء، وسط تصريحات للرئيس دونالد ترامب أكد فيها سعيه لإنهاء النفوذ الشيوعي على بعد 144 كيلومتراً من السواحل الأمريكية.
ورغم إعلان البيت الأبيض عدم الرغبة في خوض مواجهة عسكرية مباشرة، إلا أن التهديدات بملاحقة الرموز التاريخية للثورة الكوبية وضعت البلاد أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين التدخل الأمني لتنفيذ الاعتقال أو الضغط لترتيب انتقال سياسي داخلي ينهي الحقبة الحالية.
سيناريوهات الملاحقة الأمنية وإرث التدخلات التاريخية
ترتبط أبعاد أزمة الحكم في كوبا بالخلفيات القانونية لحادثة إسقاط المقاتلات الكوبية لطائرتين مدنيتين عام 1996، وهي القضية التي استند إليها نواب أمريكيون للمطالبة بعملية عسكرية شبيهة بما جرى في بنما عام 1989 لاعتقال مانويل نورييغا، أو العملية الخاطفة التي استهدفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ويرى خبراء أمنيون أن اعتقال كاسترو -الذي تنحى عن السلطة عام 2018- لن يؤدي لانهيار فوري في هيكل النظام؛ نظراً لتقدمه في السن وتحول دوره إلى رمز معنوي، لكن الخطوة ستمثل انتصاراً سياسياً محلياً كبيراً لإدارة ترامب عبر معاقبة أحد أبرز قادة ثورة عام 1959.
وفي المقابل، تحذر أوساط استخباراتية من الكلفة الاستراتيجية والمخاطر الميدانية لأي عملية كوماندوز داخل الأراضي الكوبية، لما قد تسببه من فوضى مسلحة تضر بالأمن الإقليمي وتدفع نحو مواجهة غير محسوبة النتائج مع الأجهزة الأمنية الموالية للنظام.
قد يهمك: أسباب رفض إيران وقف إطلاق النار المؤقت مع الولايات المتحدة وإسرائيل

قنوات التفاوض السري ومستقبل الهيكل القيادي
يتكامل ملف أزمة الحكم في كوبا مع تقارير تكشف عن اتصالات سرية أجراها مدير وكالة المخابرات المركزية (CIA) جون راتكليف مع مسؤولين في هافانا، شملت وزير الداخلية لازارو كاساس وراؤول غييرمو كاسترو (حفيد الزعيم الكوبي)، لبحث صيغة انتقالية تضمن استقرار الجزيرة.
وتسعى واشنطن لتكرار نموذج فنزويلا عبر تحييد القيادات الراديكالية واستبدالها بوجوه مستعدة لفتح الاقتصاد أمام الاستثمارات الأجنبية، وإشراك المعارضة في الخارج، فضلاً عن تفكيك المراكز الاستخباراتية التابعة لروسيا والصين الشعبية داخل الجزيرة الكوبية.
وأوضح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن واشنطن تدعم الاتفاقيات التفاوضية لضمان انتقال سلمي يمنع حدوث انفلات أمني، مؤكداً أن النظام الحالي لم يعد قادراً على الاستمرار في ظل الانهيار الاقتصادي الحاد وغياب الحلول التنموية.

الانهيار الاقتصادي ومخاطر الهجرة الجماعية
تتقاطع مآلات أزمة الحكم في كوبا مع التحذيرات من حدوث انفجار مجتمعي ناتج عن تدهور مستويات المعيشة، حيث يعيش السكان على حصص غذائية محدودة وسط انقطاع مستمر للطاقة، مما يهدد بتحول البلاد إلى منطقة طاردة للسكان ومصدر للهجرات غير الشرعية.
وتخشى ولاية فلوريدا الأمريكية من تدفق موجات ضخمة من اللاجئين الكوبيين عبر البحر على غرار الأزمة الإنسانية المستمرة في هايتي، خاصة في ظل القيود الصارمة التي تفرضها إدارة ترامب على قوانين اللجوء السياسي والهجرة الوافدة.
ويؤكد جرافيون ومحللون لعام 2026 أن التمييز ضروري بين انهيار الاقتصاد واستمرار عمل أجهزة الأمن؛ فالمنظومة العسكرية الكوبية لا تزال تحتفظ بقدرتها على ضبط الشارع، مما يجعل الرهان على السقوط التلقائي للنظام دون بديل واضح أمراً بالغ الخطورة.
التوازنات الدولية وآفاق المرحلة الانتقالية
في الختام، يظهر أن أزمة الحكم في كوبا وضعت هافانا أمام مفترق طرق حاسم لعام 2026، حيث يتوقف مستقبل الجزيرة على مدى نجاح الوساطات والضغوط الاقتصادية في صياغة نظام سياسي جديد يتوافق مع المعايير الدولية ويسمح بالانفتاح التجاري.
لمعرفة المزيد: المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. شروط ترمب وأزمة اليورانيوم وهرمز

وستكشف الأشهر المقبلة عن القدرة الفعلية للإدارة الأمريكية في فرض التغيير المنشود دون الانزلاق إلى صراع عسكري مفتوح، والموازنة بين ملاحقة الرموز القديمة وبين الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار لمنع حدوث كارثة إنسانية على حدودها البحرية.






