اقتصاد الصومال يواجه سؤالًا متزايدًا حول قدرته على الانتقال من الاعتماد على المساعدات والاستجابة للأزمات إلى بناء اقتصاد منتج ودولة أقوى، بعد أكثر من ثلاثة عقود لعب خلالها نظام المساعدات دورًا مهمًا في مواجهة الحرب والجفاف والمجاعة وانهيار مؤسسات الدولة.
من المساعدات إلى بناء اقتصاد منتج
انهارت الدولة الصومالية عام 1991، وفي السنوات التالية تولت المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية والشركات الخاصة العديد من الوظائف التي كانت الحكومة الفعالة تؤديها، مثل توفير الغذاء والرعاية الصحية والمياه والخدمات الأساسية.
وخلال 35 عامًا، تطورت منظومة مهنية كاملة حول المساعدات الدولية، وأصبحت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمتعاقدون والاستشاريون وبرامج بناء القدرات جزءًا مهمًا من اقتصاد الصومال وطبقته المهنية.
لكن المساعدات والشركات والحكومة تعمل وفق أهداف مختلفة؛ فالمساعدات تستجيب للاحتياجات الإنسانية، بينما تحتاج الشركات إلى خلق قيمة والعثور على عملاء وتغطية تكاليفها، في حين تتحمل الحكومة مسؤولية توفير الظروف التي تسمح بالإنتاج والتجارة والاستثمار.

قد يهمك: البنك الدولي يكشف نسبة صرف المساعدات للصومال في 2026
فجوة الوظائف تضغط على الاقتصاد الصومالي
يظهر حجم التحدي في سوق العمل، إذ يقدر البنك الدولي أن نحو 500 ألف صومالي يدخلون سوق العمل كل عام، في حين لا يتم خلق سوى حوالي 80 ألف وظيفة.
وتترك هذه الفجوة ضغطًا كبيرًا على البلاد، خاصة مع الدور الذي يؤديه القطاع الخاص في توفير فرص العمل. ووفقًا للبنك الدولي، توفر الشركات الخاصة نحو 95% من الوظائف التي يتم استحداثها في الصومال.
كما تقدم الشركات خدمات في قطاعات الاتصالات والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية، لكنها تعمل في بيئة تواجه فيها البنية التحتية والتمويل والتنظيم والأمن تحديات رئيسية.
وتحتاج البلاد إلى ربط أقوى بين السياسة الاقتصادية والأشخاص الذين يخلقون فرص العمل فعليًا، خاصة أن اقتصاد الصومال يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة القطاع الخاص على توفير الوظائف والخدمات.

اقتصاد الصومال ودور القطاع الخاص
رغم ضعف مؤسسات الدولة، تمكنت الشركات الصومالية من التطور في ظروف صعبة، حيث توسعت خدمات الاتصالات، وربطت شركات تحويل الأموال الصومال بجاليتها في الخارج، كما توسعت المدارس الخاصة وشبكات النقل، وأصبحت خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول واسعة الاستخدام.
وتشير هذه التجارب إلى أن البلاد لا تفتقر إلى القدرات الريادية، لكن التحدي يتمثل في توفير البنية التحتية والمؤسسات التي تساعد الشركات على توسيع أعمالها.
ويشمل ذلك الكهرباء الموثوقة والطرق والتمويل والتنظيم والتعليم والأمن والوصول إلى الأسواق، بما يسمح للشركات بالنمو خارج الأسواق المحلية وخلق المزيد من فرص العمل.
كما أن تطوير اقتصاد الصومال يتطلب توفير بيئة تساعد آلاف الشركات الصغيرة على النمو، إلى جانب تحسين البنية التحتية والتمويل والتنظيم والوصول إلى الأسواق.

قد يعجبك: الصومال تجذب الاستثمارات الصينية لتعزيز التصنيع وتقليص العجز التجاري
نحو تقليل الاعتماد على المساعدات
لا يعني التحول الاقتصادي تقليص المساعدات الإنسانية التي لا يزال الناس بحاجة إليها، بل بناء اقتصاد يقل فيه اعتماد المواطنين على المساعدات مع زيادة قدرتهم على الكسب والاستثمار وإنشاء المشروعات.
ولا تزال المساعدات الخارجية تلعب دورًا كبيرًا في توفير الخدمات الأساسية، كما ساهمت تخفيضات المساعدات في تباطؤ النمو الاقتصادي، الذي قُدر بنحو 3% خلال عام 2025.
وفي عام 2024، شكل الدعم الخارجي نحو 60% من إنفاق الحكومة الفيدرالية، وهو ما يعكس حجم الاعتماد على التمويل الخارجي.
ويرى المصدر أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تركيز أكبر على الإنتاج والاستثمار والوظائف، إلى جانب تطوير قطاعات مثل الزراعة التجارية ومصايد الأسماك والطاقة والخدمات المالية والبناء والخدمات اللوجستية والتجارة الإقليمية والصادرات.
وفي هذا السياق، يمثل اقتصاد الصومال مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تحويل قدرات المواطنين والشركات على الصمود إلى نظام اقتصادي أوسع، قادر على توفير الدخل وفرص العمل وتقليل الاعتماد على الاستجابة الطارئة.
ويظل الهدف الأساسي هو بناء اقتصاد أكثر إنتاجية، بحيث يصبح المزيد من المواطنين قادرين على العمل والاستثمار وإنشاء الشركات، وتتحول المساعدات تدريجيًا من عنصر أساسي للبقاء إلى وسيلة تساعد على بناء مؤسسات واقتصاد أكثر قدرة على الاعتماد على نفسه. وهنا يبرز مستقبل اقتصاد الصومال باعتباره مرتبطًا بقدرته على زيادة الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل.






