حذرت مراجعة حديثة من أن مواقع التواصل تكشف بياناتك الحساسة وتستنتج توجهاتك السياسية وعاداتك الشرائية من بصمتك الرقمية. وتكشف المراجعة أن أنشطة المستخدمين الرقمية العادية قد توفر للمنصات والشركات الخارجية مؤشرات يمكن من خلالها استنتاج معلومات شخصية لم يشاركها المستخدمون بشكل مباشر.
وأشارت نتائج المراجعة، التي نقلها موقع “Techxplore” ونُشرت في International Journal of Management Concepts and Philosophy، إلى اتساع الفجوة بين الكم الهائل من المعلومات الشخصية التي ينتجها المستخدمون عبر الإنترنت وبين الحماية القانونية والأخلاقية المتاحة حاليًا لهذه البيانات.
آثارك الرقمية تكشف معلومات أكثر مما تنشر
لا تكمن المشكلة الأساسية بالضرورة فيما يقرر المستخدم نشره عمدًا، وإنما فيما يمكن استنتاجه من نشاطه الرقمي بعد جمع البيانات وفهرستها وتحليلها. فكل تفاعل عبر الإنترنت يمكن أن يصبح جزءًا من “بصمة رقمية” أكبر، تضم معلومات عن الأنشطة والمواقع والتفاعلات المختلفة.
وبحسب مراجعة الأبحاث، يمكن للأطراف الخارجية البحث في هذه البصمة وتحليلها، أو على الأقل تستطيع المنصات نفسها القيام بذلك، ما يعني أن السلوكيات الرقمية التي تبدو عادية وغير مهمة قد تتحول إلى مؤشرات على سمات شخصية وأنماط شراء وآراء سياسية وانتماءات دينية.
وقد لا يكتب شخص على الإطلاق أنه يؤيد حزبًا سياسيًا معينًا، أو يتبنى معتقدًا دينيًا محددًا، أو يفضل نوعًا معينًا من المنتجات، لكن سلوكه على الإنترنت قد يقدم ما يكفي من الإشارات التي تسمح لطرف آخر بالتوصل إلى استنتاج مرجح بشأن هذه الأمور.

قد يهمك: الأمن السيبراني يحمي بياناتك من أخطر الهجمات الإلكترونية
مواقع التواصل تكشف بياناتك الحساسة من نشاطك اليومي
يرى الباحثون أن مفهوم الخصوصية لا ينبغي أن يقتصر على إخفاء المعلومات السرية، بل يتعلق أساسًا بقدرة الفرد على التحكم في من يستطيع الوصول إلى المعلومات المتعلقة به، ومن يملك القدرة على تفسيرها وتحليلها.
ويربط الباحثون هذا النوع من السيطرة بمفاهيم أوسع تشمل الاستقلالية الشخصية والحريات المدنية والمشاركة الديمقراطية. وبذلك، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بما إذا كان المستخدم قد نشر معلومة حساسة بشكل مباشر، وإنما بما إذا كان بإمكان المنصات والخوارزميات جمع عشرات أو مئات الإشارات الصغيرة من سلوكه وتحويلها إلى صورة شاملة عنه.
ومع جمع هذه الإشارات وتحليلها، يمكن أن مواقع التواصل تكشف بياناتك الحساسة حتى عندما لا يشارك المستخدم هذه المعلومات بصورة مباشرة، وهو ما يجعل اكتشاف المشكلة أكثر صعوبة بالنسبة للمستخدم.

لماذا تحتاج قواعد الخصوصية إلى التشدد؟
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بعدما غيرت مواقع التواصل مفهوم الخصوصية نفسه، إذ أصبحت مواقع التواصل تكشف بياناتك الحساسة من خلال الربط بين أنشطة مختلفة للوصول إلى استنتاجات لم يشاركها المستخدم بصورة مباشرة.
ففي الماضي، كان الفرد قادرًا بدرجة أكبر على تحديد المعلومات التي يكشفها عن نفسه، أما اليوم فأصبح جزء كبير من هذه العملية تحدده الخوارزميات والمنصات وتقنيات تحليل البيانات، التي تستطيع الربط بين أنشطة مختلفة للوصول إلى استنتاجات لم يشاركها المستخدم بصورة مباشرة.
وفي مثال على تصاعد القلق بشأن تأثير مواقع التواصل، قررت مدينة نيويورك العام الماضي التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي من خلال تحذيرات مشابهة للتحذيرات الموجودة على السجائر.
وتدعو الدراسة إلى تعزيز المساءلة القانونية والشفافية من جانب شركات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع رفع مستوى الثقافة الرقمية لدى المستخدمين، حتى يتمكنوا من فهم المخاطر المرتبطة بمشاركة المعلومات عبر الإنترنت وإدارتها بصورة أفضل.

قد يعجبك: محتالو إنستغرام يستخدمون حقوق النشر لابتزاز صناع المحتوى
مقولة ليس لدي ما أخفيه لم تعد كافية
تشُكك الدراسة أيضًا في الحجة الشائعة التي تقول إن الأشخاص الذين “ليس لديهم ما يخفونه” لا ينبغي أن يقلقوا بشأن الخصوصية. فالباحثون ينظرون إلى الخصوصية باعتبارها حقًا للفرد في تحديد من يستطيع الاطلاع على الجوانب الشخصية من حياته، وليس وسيلة لإخفاء سلوك غير قانوني أو معلومات محرجة.
وبالنسبة للمستخدم العادي، فإن الرسالة الأساسية واضحة، فملفه الشخصي على مواقع التواصل قد يكشف عنه معلومات أكثر بكثير مما يتعمد نشره. فالإعجابات والتعليقات والحسابات التي يتفاعل معها والمواقع التي يزورها وأنماط استخدامه للمنصات وغيرها من الأنشطة التي تبدو غير مهمة عند النظر إليها بشكل منفصل، يمكن أن ترسم صورة شديدة التفصيل عنه عند جمعها وتحليلها معًا.
وتوضح هذه التفاصيل كيف مواقع التواصل تكشف بياناتك الحساسة من خلال أنشطة قد تبدو منفصلة وغير مهمة عند النظر إليها بشكل منفرد، لكنها تصبح أكثر دلالة عند جمعها وتحليلها.
وفي ظل تطور أدوات تحليل السلوك الرقمي والذكاء الاصطناعي، يبدو أن حماية الخصوصية ستحتاج إلى التطور بالسرعة نفسها، مع زيادة المسؤولية الواقعة على الجهات التنظيمية والمنصات والمستخدمين لمنع تحول النشاط الرقمي اليومي إلى وسيلة لاستخراج معلومات شخصية لم يقصد أصحابها الكشف عنها. وتؤكد الدراسة أن مواقع التواصل تكشف بياناتك الحساسة من خلال القدرة على تحليل النشاط الرقمي وربط الإشارات المختلفة ببعضها.
وبذلك، فإن مواقع التواصل تكشف بياناتك الحساسة لا يرتبط فقط بالمعلومات التي تختار نشرها، بل أيضًا بالآثار التي يتركها نشاطك الرقمي وكيف يمكن للمنصات والأطراف الأخرى جمعها وتحليلها، وفقًا لما أوضحته الدراسة.






