قيثارة السماء تجسد مسيرة الشيخ محمد صديق المنشاوي نموذجاً فريداً لقارئ لم يكن مجرد صاحب صوت عذب، بل كان ثمرة عائلة عريقة نذرت نفسها لخدمة كتاب الله الكريم.
قيثارة السماء هو الوصف الذي استحقّه بجدارة بعد أن وُصِف صوته الخاشع من قِبل أحد محبيه بأنه “صوت صاعد من ثقل الأرض إلى ملكوت السماء، يهمس في أذنك: قف، فهنا قلب ينبض بالقرآن”.
قيثارة السماء تمر في شهر يونيو الحالي لعام 2026 ذكريات عطرة من تاريخ صاحبها الذي ولد في يناير عام 1920 م، ورحل عن عالمنا في يونيو 1969 م، تاركاً إرثاً صوتياً لا يزال يلامس قراءته قلوب الملايين حول العالم.
نشأة في بيت القرآن
قيثارة السماء بدأت ملامحها تتشكل حين ولد الشيخ محمد صديق المنشاوي في بلدة المنشاة بمحافظة سوهاج في صعيد مصر، ونشأ في كنف عائلة عُرف بيتها بـ “بيت القرآن”.
وتلقى القرآن الكريم وحفظ ربع المادة الوفيرة منه وهو في سن السابعة تحت إشراف عمه القارئ الشهير الشيخ أحمد السيد المنشاوي.
ولم يتلقَّ المنشاوي تعليماً تقليدياً مدنياً، بل كانت مدرسته الحقيقية هي كتاتيب القراءات ومدارس التلاوة. وتدرب في صغره على يد كبار الشيوخ والعلماء ومنهم:
- الشيخ محمد النمكي والشيخ محمد أبو العلا والشيخ رشوان أبو مسلم.
- العالم الجليل في قراءات القاهرة الشيخ محمد السعود، والذي اعتز به كثيراً لدرجة تسمية أحد أبنائه باسمه.
قد يهمك: عبقرية جيل الستينات في الصومال.. حينما صاغت الطبيعة عقول الرواد قبل قاعات الدرس

مسيرة الإذاعة المصرية
قيثارة السماء صدحت تلاوتها العامة الأولى في قرية “آبار الملك” عام 1931 م وهو في سن الحادية عشرة، وحصل حينها على أجر قدره 10 جنيهات مصرية.
أما رحلته الرسمية مع الإذاعة المصرية فقد بدأت في سن الثلاثين عبر بوابة مديرها الأسبق أمين حماد الذي دعاه للقاهرة، لكن الشيخ رفض مغادرة الصعيد في شهر رمضان.
ونظراً لمكانته، أرسلت الإذاعة المصرية بعثة تسجيل مجهزة قطعت نحو 700 كيلومتر إلى مدينة إسنا بالأقصر لتوثيق تلاوته، وجاءت المحطات كالتالي:
- جُلب جهاز التسجيل إلى قرية إسنا تحت إشراف مدير الإذاعة سعيد أبو السعد.
- عاد فريق الإذاعة بالتسجيلات وعرضها على لجنة متخصصة أجازتها بالكامل.
- في عام 1953 م، اعتُمد الشيخ رسمياً وباتت تلاوته جزءاً من البث الرئيسي في الثامنة مساءً.
قد يعجبك: تاريخ الحج في الصومال.. رحلات المعاناة والتواصل الثقافي عبر القرن الأفريقي

رحلة التلاوة والمساجد المباركة
قيثارة السماء انطلق صوتها المعروف بـ “القارئ الباكي” لتميزه بنبرة شجية ومؤثرة، في رحلة طافت أرجاء العالم الإسلامي.
وحظي الشيخ بشرف تلاوة القرآن الكريم في المساجد الثلاثة الأكثر بركة في الإسلام: المسجد الحرام في مكة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، والمسجد الأقصى في القدس.
وكان يكنُّ محبة وتعلقاً روحياً خاصاً بالمسجد الأقصى لما وجد فيه من طمأنينة، إلا أنه توقف عن التلاوة فيه مجبراً عقب حرب عام 1967 م واحتلال القدس الشرقية.
السعي نحو الإتقان
قيثارة السماء سجلت في عام 1965 م القرآن الكريم كاملاً في 82 شريطاً نالت إشادات واسعة جراء قوتها وعمقها العاطفي.
ورغم كمال التسجيلات في أعين المستمعين، إلا أن الشيخ طلب إعادة تسجيل 32 شريطاً لشعوره بالقدرة على تقديم أداء أفضل وأكثر إتقاناً.
وقُبل طلبه وأعاد التسجيل عام 1966 م، واعتُمدت النسخة الجديدة رسمياً في عام 1967 م، غير أن هذه الأشرطة المحدثة ظلت حبيسة الأدراج ولم تُبث عبر الإذاعة لما يقارب 60 عاماً.
لمعرفة المزيد: دمج المدارس القرآنية في كينيا يتصدر قرارات الرئيس روتو لتطوير التعليم بالمنطقة الشمالية الشرقية

الحياة الشخصية والرحيل
كان الشيخ أباً لـ 12 صهراً وابناً (6 أولاد و6 بنات)، وحرص حرصاً شديداً على تعليمهم وتحفيظهم القرآن، وإن لم يسلك أي منهم مسيرته المهنية في التلاوة.
وفي أواخر حياته، عانى الشيخ المنشاوي من مرض دوالي المريء (نزيف المريء)، لكنه تحامل على آلامه واستمر في تلاوة القرآن حتى اشتد عليه المرض.
وفاضت روحه في 20 يونيو 1969 م بالقاهرة، ونُقل جثمانه ليدفن في مسقط رأسه. والمفارقة المؤثرة أنه عند إعلان وفاته، كان صوته لا يزال يتدفق عبر أثير الإذاعة، مما أضفى مسحة من الحزن العميق على أرجاء مصر كافة.






