صراع السلطة في مقديشو بات يتصدر واجهة الأحداث السياسية والأمنية في منطقة القرن الأفريقي مع حلول ماي 2026، إثر انتهاء المدة القانونية المحددة للولاية الرئاسية الحالية دون التوصل إلى صيغة تفاهم وطني شاملة تضمن الانتقال السلمي والدستوري لمؤسسات الحكم.
وأفرز العجز عن صياغة بنود توافقية بين الحكومة الفيدرالية والكتل المعارضة حالة من الارتباك المؤسسي، رافقتها تحذيرات من أوساط قانونية نتيجة إدارة المرفق العام بقرارات استثنائية تتجاوز النصوص التشريعية المكتوبة، مما يضع شرعية القرارات الرسمية على المحك.
وتهيمن حالة من القلق والترقب على الشارع والأحزاب السياسية نتيجة غياب الرغبة لدى صناع القرار في فتح قنوات تفاوض جادة مع القوى البديلة، مما أدى لتعطل مسارات الحوار وتقويض دعائم السلم الأهلي والتعايش التي بنيت عبر سنوات من التفاهمات الحثيثة.
مواجهات النفوذ الإداري واهتزاز ثقة الولايات
ترتبط أبعاد صراع السلطة في مقديشو بالمحاولات المستمرة من جانب الحكومة المركزية لبسط هيمنتها السياسية وتوجيه القرارات المصيرية داخل الولايات الإقليمية، لا سيما في المحافظات الوسطى والجنوبية من البلاد.
واعتبرت الإدارات المحلية هذه التحركات بمثابة تعدٍّ سافر على السيادة الإقليمية المقررة قانوناً، ومسعى لتحويل النظم الشورية والانتخابية إلى تعيينات مباشرة تخضع بالكامل لإرادة العاصمة، مما أفرغ المشروع الاتحادي الفيدرالي من جوهره القائم على الشراكة الجماعية.
وأدت هذه التوجهات الأحادية إلى إحياء النزاعات القبلية القديمة وتعميق الفجوة بين المجتمعات المحلية والحكومة الفيدرالية، مما انعكس سلباً على كفاءة المشاريع الإنسانية والخدمية نتيجة توجيه القدرات المالية لإدارة الصراعات السياسية بدلاً من دعم القطاعات التنموية الحيوية.
وتؤكد القيادات المحلية في الولايات المستقرة أن التجاوز المستمر لمسودة الدستور المؤقتة ينذر بتفكك البنية التوافقية للدولة، ويحول النظام الفيدرالي إلى واجهة بروتوكولية عاجزة عن تقديم حلول حقيقية تلبي تطلعات المواطنين على الأرض.

الاضطرابات الأمنية وتغيير عقيدة الأجهزة الدفاعية
يتكامل ملف صراع السلطة في مقديشو مع الانعكاسات الخطيرة التي طالت المنظومة الدفاعية والأمنية، جراء صدور قرارات بسحب وحدات عسكرية مدربة بكفاءة عالية من جبهات القتال الساخنة وتكليفها بمهام تأمين المواقع الإدارية في قلب العاصمة.
وأحدث هذا التغيير اللوجستي تراجعاً في الضغط الميداني المفروض على الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة، والتي استغلت حالة الارتباك لإعادة الانتشار في المناطق الريفية والمنافذ الحيوية، مستفيدة من غياب التنسيق الأمني في المقاطعات الجنوبية.
وأوضحت تقارير ميدانية أن توظيف الجيش الوطني في حماية المقرات الحزبية أفرز خللاً استراتيجياً على الخطوط الأمامية، وأثر سلباً على الروح المعنوية للضباط والجنود نتيجة الزج بالمؤسسة العسكرية في التجاذبات السياسية الضيقة.
ويحذر خبراء عسكريون من مخاطر انقسام البنية الدفاعية إلى فصائل متعددة الولاءات والتمويل، مما يهدد السيادة الوطنية ويجعل الدولة عاجزة عن حماية منافذها الجوية والبرية والبحرية دون الاعتماد الدائم على البعثات العسكرية الأجنبية.
قد يهمك: أبعاد المآلات الدستورية والسياسية المترتبة على تداعيات أزمة الحكم في مقديشو

تراجع الحوكمة وغياب معايير النزاهة الإدارية
تتقاطع مآلات صراع السلطة في مقديشو مع تصاعد الشكاوى حول غياب معايير الكفاءة والاستحقاق في التعيينات الرسمية، وإسناد وظائف دبلوماسية واقتصادية بالغة الأهمية لشخصيات تفتقر للخبرة وتقوم ترقيتها على القرب من دوائر النفوذ.
وتسبب هذا النهج في نشوء ترهل إداري واسع داخل الهياكل الوزارية، مما أثار انتقادات حادة من النخب الوطنية والكوادر المستقلة التي اعتبرت المحسوبية عائقاً رئيسياً أمام بناء مؤسسات قوية قادرة على إنجاز خطط الإصلاح والتنمية المستدامة.
وتزامنت هذه الأزمات الإدارية مع تقارير تكشف عن سوء إدارة العقارات العامة وتوجيه الموارد المالية المخصصة للمنح الإنسانية لكسب ولاءات عشائرية، مما حرم الفئات المجتمعية الأكثر تضرراً من الاستفادة من الإغاثات الموجهة لمواجهة الجفاف والفقر.
ودفعت هذه الأوضاع غير المستقرة الصناديق التنموية والهيئات الإغاثية الدولية إلى مراجعة آليات عملها، وفرض شروط رقابية صارمة لضمان وصول الموارد المالية والعينية إلى مستحقيها الفعليين بعيداً عن المساومات السياسية.
تعديل القيادات العسكرية وتراجع الجاهزية القتالية
إن استمرار صراع السلطة في مقديشو انعكس بشكل مباشر على استقرار القيادات الميدانية في الجيش، حيث أجريت إعفاءات واسعة أقصت ضباطاً ذوي كفاءة وخبرة طويلة في الخطط التكتيكية وحروب العصابات.
وأسفرت هذه التعيينات المفاجئة عن ضعف التنسيق والعمليات المشتركة بين القوات الاتحادية والوحدات المحلية التابعة للولايات، مما منح الجماعات المسلحة فرصة لتنفيذ هجمات خاطفة استهدفت مواقع حيوية وقواعد عسكرية بأطراف المدن.
ويرى برلمانيون ومحللون عسكريون أن توجيه ميزانيات التسليح والتجهيز اللوجستي لبناء شبكات نفوذ قبلية يضع أمن البلاد في خطر محدق، ويترك المنظومة الدفاعية مكشوفة أمام التهديدات، خاصة مع تسارع الخطط الدولية لإنهاء مهام البعثات الإفريقية الحامية.
خارطة الطريق ومسار التسوية الوطنية الشاملة
يظهر أن تجاوز تداعيات صراع السلطة في مقديشو يتطلب تغليب لغة الحوار العقلاني، والالتزام بالقوانين المنظمة والمواثيق المبرمة، ووقف التعدي على الأصول والموارد العامة للدولة.
ويستدعي الخروج من هذا المأزق السياسي المعقد تضافر الجهود لعقد مؤتمر مصالحة وطنية موسع يحظى برعاية وضمانات من أطراف دولية وإقليمية محايدة، يجمع كافة الأطراف لوضع ميثاق مشترك يدير المرحلة الانتقالية ويحمي وحدة البلاد.
قد يعجبك: أزمة الصومال السياسية.. خلافات الدستور والنزاع الحكومي في مقديشو

وستظل الرغبة في تقديم التنازلات المتبادلة والاعتراف بحقوق الشركاء هي الضمانة الأساسية لحماية النسيج المجتمعي، ومنع تحول منطقة القرن الأفريقي إلى ساحة صراعات ممتدة تهدد الاستقرار والسلم الإقليمي.






