الانتخابات المباشرة في الصومال تمثل حجر الزاوية في الرؤية السياسية الجديدة التي يسعى الرئيس حسن شيخ محمود لتثبيتها، حيث أكد مجدداً في خطابه الأخير أمام الأعيان والشيوخ في القصر الرئاسي “فيلا صوماليا” أنه لن يتراجع عن تنفيذ هذا النموذج الانتخابي التاريخي.
إن الانتخابات المباشرة في الصومال تهدف، حسب الرؤية الرئاسية، إلى إنهاء حقبة الانتخابات غير المباشرة القائمة على المحاصصة القبلية، والتي هيمنت على المشهد السياسي لعقود وأدت إلى عدم الاستقرار. وبالرغم من الضغوط المحلية والدولية المتزايدة، يرى الرئيس أن الوقت قد حان لتمكين الشعب الصومالي من حقه الدستوري في اختيار قادته بعد انقطاع دام 57 عاماً، معتبراً أن النماذج السابقة كانت “ناقصة” وساهمت في تفاقم النزاعات السياسية والهشاشة الأمنية. بالتأكيد، فإن هذا المسار يواجه عقبات جسيمة تتعلق بالتوافق الوطني والقدرات اللوجستية، خاصة في ظل تحذيرات زعماء العشائر والمعارضة من اتخاذ قرارات أحادية قد تزيد من حدة الاستقطاب في البلاد.
فلسفة التحول من القبيلة إلى المواطنة
يتصدر المشهد السياسي الصومالي اليوم نقاش محتدم حول جدوى التحول المفاجئ نحو الاقتراع العام؛ فالرئيس يجادل بأن الأنظمة السابقة القائمة على اختيار المندوبين لم تعد تلبي طموحات الدولة الحديثة. والحقيقة أن الانتخابات المباشرة في الصومال تهدف إلى استعادة الثقة في مؤسسات الدولة وتقوية نظام الحكم عبر منح الشرعية الشعبية مباشرة للرئيس والبرلمان.
ويرى القصر الرئاسي أن هذا التحول سيعالج جذور انعدام الأمن، حيث سيشعر كل مواطن صومالي بأن صوته مسموع ومؤثر في صناعة القرار، بعيداً عن كواليس الصفقات السياسية التي كانت تتم في الفترات الماضية. ومن هنا، يظهر أن الانتخابات المباشرة في الصومال ليست مجرد إجراء تقني، بل هي إعادة صياغة للعقد الاجتماعي الصومالي للتحول من نظام الولاء القبلي إلى نظام الولاء للدولة والمواطنة، وهو ما يراه المؤيدون السبيل الوحيد للاستقرار المستدام.
لمعرفة المزيد: حرية التعبير في الصومال.. منظمة العفو الدولية تطالب بالإفراج الفوري عن الناشطة سعدية باجاج

معارضة الأعيان وهواجس الإجماع الوطني
إن مصادر القلق لدى زعماء العشائر ومعارضة النظام ترجع إلى الخشية من القرارات الأحادية وعدم توافقيتها؛ حيث كان العديد من شيوخ القبائل الذين حضروا لقاء الرئاسة قد طالبوا بإعادة النظر في التوجه الذي تم اتباعه في عملية الانتخابات. إن الانتخابات المباشرة في الصومال تحتاج إلى توفير بيئة آمنة والتعداد السكاني الدقيق الذي يعدان مفقودين في الوضع الحالي، وبالتالي يمكن أن تكون مرتبطة بإقصاء فئات واسعة من المجتمع.
بالنظر إلى التقارير التي تم الحصول عليها من مقديشو، يمكن القول بأن الزعماء البارزين لديهم فكرة حول أهمية توافقياً على مستوى الدولة في عملية اختيار قادتهم؛ إذ أبدوا موقفاً رافضاً للإجراء في أي محاولة للتمديد أو السيطرة الأحادية التي فشلت خلال فترة سابقة للحكومة السابقة. إن الانتخابات المباشرة في الصومال تشكل مشكلة كيفية تحقيق التمثيل الكافي للأقاليم الفيدرالية، خاصة وأن هناك خطورة من استمرار الأنشطة الأمنية في بعض المناطق من البلاد، الأمر الذي يعني وجود خطر سياسي في هذا المسار إذا لم يتم التوصل إلى مفاوضات مع القوى الإقليمية.
العوائق اللوجستية والضغوط الدولية
ولا يقتصر التحدي على الجانب السياسي فقط، بل يتم أيضاً في جانب التنفيذ الذي يحتاج إلى توفير موازنات ضخمة وتأمين شامل للمراكز الاقتراعية؛ إذ إن المجتمع الدولي، مع تقديمه الدعم السياسي للانتخابات، يبدو متخوفاً من تحقيق هذه العملية بسبب ظروف البلاد الحالية.
إن الانتخابات المباشرة في الصومال تمثل طموحاً كبيراً يختبر قدرة الحكومة المركزية على بسط سيادتها التنظيمية في كافة الأقاليم، وهو أمر يتطلب تنسيقاً أمنياً رفيعاً يتجاوز الخلافات السياسية القائمة.
قد يعجبك :التعاون الصومالي العماني في تكنولوجيا المعلومات.. شراكة استراتيجية لتعزيز التحول الرقمي

قراءة في مآلات التحول الديمقراطي الصومالي
وتأتي هذه الإرادة في اختيار هذا الطريق من جانب الرئيس حسن شيخ محمود انعكاساً لرغبة ترك إرث سياسياً يمكن له وضع نهاية لتلك “الدورة الانتخابية للفشل” التي استمرت لأكثر من ستين عاماً. وفي الحقيقة فإن نجاح انتخابات النظام مباشرة في الصومال يعني بداية جديدة لهذه الدولة، شرط أن يتم هذا من خلال حوار وطني يضع حداً لكل مخاوف التهميش وتضمن نزاهة الانتخابات.
قد يهمك: حظر السفن الإسرائيلية في مضيق باب المندب.. مقديشو تشعل فتيل الأزمة الدبلوماسية لهذا السبب

وفي ظل وجود الكثير من الجدل والمزيد من التصعيد في المعارضة طوال الأشهر الماضية، فإن الآمال معقودة على قدرة النخب السياسية في الصومال على تقديم التنازلات المتبادلة حتى تبلغ شاطئ الأمان. فانتخابات النظام المباشرة في الصومال هي الحل الوحيد الذي يمكن للصومال من خلاله كسر قيود المحاصصة السياسية، ولكنها تستلزم ضبطاً للإرادة بين ما يمكن أن نطلق عليه “الطموح الرئاسي” و”الواقع الميداني”، لضمان ألا تتحول هذه الخطوة الإصلاحية إلى سبب جديد للاضطراب بدلاً من أن تكون جسراً نحو الاستقرار والازدهار المنشود.






