لم تكن صفارات الإنذار التي دوت في سماء مدينة نهاريا مساء أمس مجرد تحذير روتيني من صواريخ قادمة، بل كانت تعبيراً صارخاً عن التناقض بين لغة الميدان ولغة الدبلوماسية التي فُرضت فجأة من واشنطن.
فبينما كان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي يؤكد قبل ساعات فقط مواصلة التقدم البري، جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام ليأخذ الشارع الإسرائيلي، بل وحتى أعضاء في المجلس الوزاري المصغر، على حين غرة.
هذا الاتفاق الذي يبدو وكأنه نُسج بربطة عنق في واشنطن، يترك سكان الشمال الإسرائيلي في حالة من الذهول والشك، متسائلين عما إذا كان هذا التوقف يخدم أمنهم القومي أم أنه مجرد استراحة محارب قصيرة في صراع لا يبدو له نهاية قريبة.
صدمة داخل الكابينت وغضب في الشمال
أفادت التقارير المسربة من داخل الحكومة الإسرائيلية بأن بنيامين نتنياهو استدعى وزراءه للاجتماع قبل دقائق معدودة من الإعلان الرسمي، ولم يُمنح الوزراء حتى حق التصويت على بنود اتفاق وقف إطلاق النار.
هذا النمط من الإدارة أثار موجة من الانتقادات الحادة، حيث يرى الكثيرون أن نتنياهو انصاع تماماً لمطالب ترامب، مضحياً بالمكاسب العسكرية التي حققتها خمس فرق عسكرية منتشرة في جنوب لبنان. وفي نهاريا والمجتمعات الحدودية، يسود شعور بالخديعة، حيث عبر سكان مثل “غال” و”ماؤور” عن خيبتهم من حكومة وعدتهم بنهاية مختلفة هذه المرة، ليروا أنفسهم مرة أخرى أمام تسوية مؤقتة لا تضمن نزع سلاح حزب الله أو تأمين عودة آمنة لمنازلهم المدمرة.
قد يهمك: جنوب نهر الليطاني.. نيران فوق الميدان ودبلوماسية في واشنطن، فهل تحسم إسرائيل المعركة؟
قراءة في موقف نتنياهو: سلام تاريخي أم استسلام للضغوط؟
حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي تجميل الصورة بوصفه اتفاق وقف إطلاق النار بأنه “فرصة تاريخية” لإنهاء عقود من نفوذ حزب الله، لكن لغته الميدانية ظلت متصلبة. فقد أكد نتنياهو أنه لم يقدم تنازلات جوهرية، رافضاً شرطين أساسيين كان الحزب يصر عليهما وهما الانسحاب الكامل ومبدأ الهدوء مقابل الهدوء. وبدلاً من ذلك، تصر إسرائيل على البقاء في “منطقة أمنية معززة” داخل الأراضي اللبنانية، مع احتفاظها بحق التحرك العسكري الدفاعي في أي وقت. هذا الغموض في شروط الاتفاق يثير تساؤلات حول مدى فاعليته، خاصة وأن استطلاعات الرأي تشير إلى أن 80% من الإسرائيليين يدعمون مواصلة الضربات، مما يضع نتنياهو في مواجهة مباشرة مع رأي عام يرفض أن يكون مجرد “كومبارس” في عرض علاقات عامة دولي.

ترابط الجبهات: من طهران إلى بيروت
يأتي اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان كجزء من رقعة شطرنج أكبر يديرها ترامب، حيث تضغط إيران بقوة لإنهاء العمليات العسكرية ضد ذراعها الأبرز في المنطقة بعد اتفاق التهدئة الذي وقعه ترامب مع طهران في وقت سابق من هذا الشهر. ويحاول الرئيس الأمريكي من خلال هذه الهدنة التي تستمر عشرة أيام خلق مساحة للتنفس بين إسرائيل ولبنان، وسط تعثر المفاوضات الأوسع مع إيران واقتراب نهاية مدة الهدنة الأصلية. ومع ذلك، يرى قادة عسكريون سابقون مثل غادي آيزنكوت أن هذا النمط من فرض الهدنات المتتالية في غزة وإيران والآن لبنان، يثبت أن نتنياهو لا يعرف كيف يحول الإنجازات العسكرية إلى مكاسب دبلوماسية حقيقية، بل يكتفي بالخضوع للإملاءات الخارجية التي قد لا تتوافق دائماً مع المصالح القومية الإسرائيلية.
تعرف المزيد على: مفاوضات لبنان وإسرائيل.. هل تمتلك بيروت أوراقاً حقيقية بين مطرقة الحصار وسندان التسلح؟

الميدان لا يهدأ تحت ظلال الهدنة
رغم بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى احتمالية انفجاره في أي لحظة. فالصور التي تظهر دمار القرى اللبنانية وحشود العائدين إلى منازلهم تقابلها في الجانب الآخر اعتراضات صاروخية وسقوط شظايا في نهاريا، مما يؤكد أن الثقة مفقودة تماماً بين جميع الأطراف. وبما أن الاتفاق يمنح إسرائيل حق الدفاع عن النفس ضد أي “تهديد وشيك”، فإن ملامح هذا التوقف قد تشبه هدنة نوفمبر 2024 التي استمرت فيها الضربات الموضعية تحت عناوين أمنية مختلفة. إن أمن الشمال الإسرائيلي بات رهينة لتفاهمات دولية هشة، حيث يرى موشيه دافيدوفيتش، رئيس مجلس إقليمي في الشمال، أن الاتفاقات الموقعة في واشنطن تُدفع أثمانها دماً وبيوتاً محطمة في الجليل.
قد يهمك: أسباب رفض إيران وقف إطلاق النار المؤقت مع الولايات المتحدة وإسرائيل
مستقبل الصراع وصراع المصالح
يكشف هذا التطور الأخير عن فجوة متزايدة بين أهداف الحرب الإسرائيلية وأهداف الحليف الأمريكي. فبينما تسعى إسرائيل لحسم عسكري يغير الواقع الجغرافي والأمني في الجنوب اللبناني، تبدو واشنطن مهتمة أكثر بتبريد الجبهات وتجنب حرب إقليمية شاملة قد تعصف بمفاوضاتها مع طهران. إن اتفاق وقف إطلاق النار الحالي قد لا يكون أكثر من مجرد مسكن مؤقت لأزمة عميقة، ولن ينجح في إعادة النازحين من الجانبين إلى حياتهم الطبيعية ما لم يتم معالجة جذور المشكلة المتمثلة في سلاح حزب الله والتدخل الإيراني. وفي ظل الرفض الشعبي الواسع في إسرائيل لمثل هذه التهدئات “المفروضة”، يبقى السؤال: هل سيصمد هذا الاتفاق لعشرة أيام، أم أن شرارة الميدان ستكون أسرع من حبر الدبلوماسيين في واشنطن؟

يبقى اتفاق وقف إطلاق النار محل اختبار حقيقي للقوة والقدرة على المناورة السياسية. فمن جهة، يحاول نتنياهو الحفاظ على تحالفه الاستراتيجي مع ترامب، ومن جهة أخرى يواجه ضغطاً داخلياً هائلاً من سكان الشمال والمؤسسة العسكرية الذين يرون أن المهمة لم تكتمل بعد. ومع استمرار التحليق المكثف للمسيرات والطائرات الحربية في الأجواء، يبدو أن السلام الحقيقي لا يزال بعيداً، وأن ما تشهده المنطقة اليوم هو مجرد استراحة في فصل طويل من فصول المواجهة التي أعاد ترامب رسم معالمها وفق رؤيته الخاصة للشرق الأوسط الجديد.






