تراقب العواصم الأوروبية اليوم بقلق بالغ شاشات التداول في بورصات الطاقة، حيث سجلت أسعار الغاز في أوروبا محاولات خجولة للتعافي الجزئي بعد سلسلة من التراجعات الحادة التي ميزت الجلسات الماضية. هذا الاستقرار النسبي ليس نابعاً من وفرة في الإمدادات، بل هو نتاج حالة من حبس الأنفاس التي تسيطر على المستثمرين بانتظار ما ستسفر عنه جولات الدبلوماسية المكوكية بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إعادة فتح مضيق هرمز. إن أي انفراجة في هذا الملف الحيوي قد تعني عودة الهدوء للأسواق، لكن الفشل في التوصل لاتفاق سيضع القارة العجوز أمام سيناريوهات اقتصادية قاسية، مما يجعل التكهن بمستقبل أسعار الغاز في أوروبا مهمة شبه مستحيلة في ظل الظروف الراهنة.

تكتيكات الصناديق الاستثمارية وضغط السوق
لم يكن الارتفاع الطفيف في عقود مركز “تي تي إف” الهولندي بنسبة تقارب 0.81 يورو مجرد صدفة برمجية، بل هو انعكاس لعمليات تصفية مراكز الشراء التي قامت بها صناديق الاستثمار العالمية. فقد قلصت هذه الصناديق رهاناتها بشكل ملحوظ خوفاً من حدوث هبوط مفاجئ في الأسعار إذا ما أُعلن عن اتفاق سلام وشيك. هذا التحول في شهية المخاطر يؤكد أن أسعار الغاز في أوروبا باتت رهينة للتصريحات السياسية أكثر من عوامل العرض والطلب التقليدية. ويرى المحللون في بنك “إيه إن زد” أن التفاؤل بقرب نهاية النزاع هو ما كبح جماح الارتفاعات الجنونية التي شهدناها قبل ستة أسابيع، إلا أن غياب تواريخ محددة للمحادثات يترك الباب مفتوحاً أمام عودة التذبذب العنيف في أي لحظة.
قد يعجبك: هل البيتكوين حلال أم حرام؟.. علماء الدين يجيبون

أزمة التخزين والمنافسة الآسيوية الشرسة
ما يزيد من تعقيد المشهد هو التراجع الملحوظ في مستويات التخزين داخل الاتحاد الأوروبي، والتي استقرت عند نحو 29.6%، وهي نسبة تثير القلق مقارنة بمستويات العام الماضي التي تجاوزت 35%. هذا العجز في المخزونات يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الغاز في أوروبا، خاصة مع تعطل بعض الإمدادات القادمة من النرويج بسبب أعمال صيانة طارئة في حقل “ترول” العملاق. وفي الوقت نفسه، تجد أوروبا نفسها في سباق محموم مع الأسواق الآسيوية لتأمين شحنات الغاز الطبيعي المسال؛ فكلما طال أمد الأزمة في الشرق الأوسط، زادت احتمالات تحول السفن نحو الشرق الأقصى بحثاً عن أسعار أفضل، مما قد يترك القارة العجوز تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات قبل بداية فصل الشتاء المقبل.
إقرأ كذلك: تجاوزت الـ 100 دولار.. فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية يشعل أسعار النفط العالمية

في نهاية المطاف، تظل أسعار الغاز في أوروبا مرآة تعكس مدى هشاشة أمن الطاقة العالمي في مواجهة الأزمات الجيوسياسية. إن التراجع الطفيف في الأسعار الكربونية واستقرار تدفقات الغاز المسال قد يمنح الأسواق بعض الطمأنينة المؤقتة، لكن الحقيقة المرة هي أن القارة لا تزال تسير على حبل مشدود. وبدون ضمانات واضحة لتدفق الغاز عبر الممرات المائية الحيوية، سيظل المواطن الأوروبي يدفع ثمن هذه الصراعات عبر فواتير الطاقة المرتفعة، بانتظار معجزة دبلوماسية تعيد الاستقرار لهذا القطاع الحيوي الذي لا يحتمل المزيد من الصدمات.






