صدمات الحرب لا تزال تلاحق سكان العاصمة الصومالية مقديشو لعام 2026 م، حيث يتزايد الحديث عن الآثار النفسية العميقة التي تركتها النزاعات المسلحة المتتالية على جيل كامل من الشباب الذين شاركوا في المعارك خلال طفولتهم.
صدمات الحرب تجسدها قصة يوسف علي، وهو صاحب متجر يبلغ الآن 34 عاماً، ولا تزال ذاكرته تحتفظ بأهوال قتال الشوارع الذي شارك فيه قبل نحو 20 عاماً إبان الحراك الإسلامي في العاصمة.
ورغم التغير الملحوظ في المظهر العمراني لمدينة مقديشو، إلا أن هناك غياباً شبه تام للخدمات الطبية والنفسية المخصصة لإعادة تأهيل ومساعدة الأشخاص الذين يعانون من الاضطرابات النفسية الناجمة عن ويلات الصراع.
جذور الصراع وطبيعة التحول
بداية التحول في حياة يوسف كانت في سن الرابعة عشرة عندما تولى اتحاد المحاكم الإسلامية السلطة وعمل على إعادة الاستقرار للبلاد بعد سنوات من الحروب الأهلية الممزقة منذ سقوط نظام محمد سياد بري عام 1991 م.
واعتبرت واشنطن هذا الصعود بمثابة تهديد متهمة الإدارة الإسلامية الجديدة بالارتباط بتنظيم القاعدة، حيث عُرف جناحها العسكري باسم حركة الشباب.
وفي ديسمبر 2006 م، دخلت آلاف القوات الإثيوبية إلى الصومال بدعم من الطائرات المسيرة الأميركية للإطاحة بالمحاكم، مما فجر مقاومة شرسة قادتها حركة الشباب وتحالفات محلية أخرى عُرفت بالمقاومة.

ذكريات مريرة وفقدان الأمان
صدمات الحرب تجلت في حياة يوسف الذي نشأ يتيماً بعد وفاة والده في مواجهات سابقة بين القوات الأميركية والصومالية وهو لم يتجاوز العام الأول من عمره.
ويروي يوسف كيف تحولت حياته حين كان طالباً في الثانوية إثر قصف مدفعي عنيف هز حيهم السكني في مديرية هليوا بمقديشو، مسبباً دماراً هائلاً ومقتل فتاة صغيرة في مثل عمره تحت الأنقاض.
ودفعت هذه الأوضاع القاسية أسرته للنزوح إلى منطقة “عيلشا بياها” في ضواحي العاصمة، والتي تحولت وقتها إلى ملاذ آمن لمئات الآلاف من النازحين الفارين من القصف والدمار.
قد يعجبك: تصعيد الصومال الأمني الخطير إثر مواجهات مسلحة في مقديشو بين السلطة والمعارضة

جبهات القتال ورحلة اللجوء
الحافز الوطني والديني دفع يوسف في سن السادسة عشرة للعودة إلى مقديشو رفقة مجموعة من الشباب للانخراط في المعارك الشرسة ضد القوات الإثيوبية وقوات الحكومة الانتقالية دون الحصول على أي رواتب.
واستمرت المعارك الطاحنة بين عامي 2007 و2009 م مما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من مقديشو وتسويتها بالأرض وسط ضغوط دولية كبيرة تعرضت لها القوات المتصارعة.
ونتيجة للظروف المعيشية الصعبة، نصحت العائلة يوسف بالهجرة إلى جنوب أفريقيا عام 2009 م، حيث عاش في جوهانسبرغ مع عمه وعمل في متجره لمدة خمس سنوات قبل أن تجبره موجات العنف وضد الأجانب على العودة مجدداً إلى وطنه.
اقرأ كذالك: التمديد بالصومال.. أزمة الدستور وصراع السلطة والمعارضة

واقع معقد وتحديات مستمرة
صدمات الحرب والعودة لمقديشو وضعت يوسف أمام واقع جديد تمثل في مدينة يعاد بناؤها وتنتشر فيها المقاهي والشوارع المضاءة، لكنها محاطة بشبكات معقدة من التجسس وانعدام الثقة المتبادلة بين السكان خوفاً من ملاحقات حركة الشباب.
ويعبر يوسف، وهو الآن أب لطفل في الرابعة من عمره، عن شعوره بالذنب لكونه جزءاً من المعارك التي فاقمت معاناة المجتمع، مؤكداً أنه لا يزال يتذكر المنازل التي أطلق عليها الرصاص ويتساءل إن كان سكانها الحاليون يعرفون حجم الدماء التي سُفكت فيها.
ويشير الخبراء الحقوقيون والمسؤولون في منظمة المدافعين عن حقوق الإنسان الصومالية إلى أن هذه المعاناة النفسية والوجدانية منتشرة على نطاق واسع بين الشباب، لكن العادات والتقاليد الثقافية تمنع الحديث المباشر عن الصحة النفسية وتدفع الكثيرين لكبت آلامهم والبحث عن الطمأنينة في العبادة والصلاة فقط.






