يمكن القول بأن الدور الروسي في الشرق الأوسط يمر بتحولات استراتيجية كبيرة في ظل زيارات غير متوقعة ومكثفات جهود دبلوماسية، حيث التقى وزير خارجية إيران “عباس عراقجي” مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في سانت بطرسبرغ بداية شهر مايو. هذا اللقاء جاء في ظروف حساسة للغاية، حيث رفض الرئيس الأمريكي “ترامب” المشاركة في الحوار الإسلامي عبر إرسال مبعوثيه للمفاوضات التي ستستضيفها إسلام آباد، الأمر الذي دعا طهران إلى الاستعانة بموردتها الروسية لتعزيز تنسيقها السياسي والعسكري.
إن الدور الروسي في الشرق الأوسط لا يقتصر على الوساطة في تحقيق السلام فحسب، بل يعتبر في استمرار حالة التوتر في المنطقة فرصة لتقوية نفوذه وضمان إمدادات صادراته النفطية بنسب عالية، وذلك نتيجة لإثارة القلق العالمي حول أزمة مضيق هرمز، مما دفع دولاً كبرى مثل الهند للعودة مجدداً لشراء النفط الروسي بعد فترة انقطاع.
المكاسب الروسية من أزمة الطاقة والتوتر الإقليمي
وفقاً للمحللين، بما في ذلك “نيكيتا سماجين”، فإن استمرار النزاع في منطقة الخليج سيعود بشكل كبير إلى الفوائد الاقتصادية لروسيا، حيث يتسبب الضرر المتواصل بإمدادات الطاقة في زيادة الطلب على النفط الروسي. وعلى ضوء التقييمات الأخيرة، يبدو أن دور روسيا في الشرق الأوسط يتمثل حاليًا في تقديم المشورة الاستخباراتية والاستراتيجية للإيرانيين، وتشمل خطة نقل الطائرات المسيرة ذات التقنية العالية والاستخبارات المتعلقة بعمليات الجيش الإيراني.
كما تقوم روسيا، في غضون السنتين الماضيتين، بإمداد إيران بأنواع من الأسلحة تشمل المروحيات الهجومية والعربات المدرعة، ولكن بينما يستخدم البعض منها في الداخل من أجل القضاء على الاحتجاجات، إلا أنه يقوي قدرة الردع الإيرانية ضد التهديدات الخارجية.
قد يهمك: من هو منفذ هجوم عشاء المراسلين؟.. المهندس الذي حاول استهداف قمة الهرم السياسي الأمريكي

جمود المفاوضات والملف النووي
على الجانب الدبلوماسي، يبدو أن المفاوضات بين طهران وواشنطن وصلت إلى طريق مسدود بسبب تباين الأولويات؛ فبينما تطالب طهران بفتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب وتأجيل المحادثات النووية، يصر الجانب الأمريكي على أن البرنامج النووي الإيراني هو القضية الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها. إن الدور الروسي في الشرق الأوسط يحاول هنا موازنة الكفة، حيث يؤكد بوتين دعمه لإيران في سعيها لتحقيق السلام بشروطها، مستنداً إلى رسائل مباشرة من القيادة الدينية العليا في طهران. ومن الواضح أن واشنطن ترفض تقديم تنازلات تتجاوز مسألة وقف تخصيب اليورانيوم وتغيير منشآت التخصيب، مما يجعل الجمود هو سيد الموقف في الوقت الراهن.
صعود الحرس الثوري وتغير هيكل السلطة
تزامن هذا التصعيد مع تغيرات جوهرية في هيكل السلطة داخل إيران عقب مقتل عدد من القادة الرئيسيين، حيث برز الحرس الثوري (IRGC) كقوة مهيمنة وصاحبة القرار الفعلي في البلاد. ويشير المحللون إلى أن الدور الروسي في الشرق الأوسط يتعامل الآن مع قيادات إيرانية أكثر راديكالية، مثل “أحمد وحيدي” و”محمد باقر ذو القدر”، اللذين يمثلان الجناح المتشدد داخل مجلس الأمن القومي. هذا التحول يجعل اتخاذ أي قرار في طهران يتطلب مشاورات معقدة بين عدة رؤوس قيادية، مما يزيد من صعوبة التكهن بالخطوات القادمة في المنطقة، ويجعل من موسكو شريكاً لا غنى عنه لتأمين غطاء دولي لهذا النهج الجديد.
قد يعجبك: شبكات التجسس في إيران.. طهران تعدم أعضاء شبكة مرتبطة بالموساد

آفاق الصراع والمواجهة الإقليمية
فعليا، الوضع الراهن في الشرق الأوسط يوفر للنظام الروسي فرصة لتحقيق “كسب استراتيجي” من خلال الاستفادة من انشغال الغرب بمشكلات الشرق الأوسط وتوظيف ذلك في مصلحة تحسين المكاسب الميدانية والدبلوماسية.إن الدور الروسي في الشرق الأوسط ليست موجهة نحو وضع نهاية سريعة للصراع، ولكنها تعمل على إدارة الصراع بطريقة تحقق تهميش الخصم وإعادة حماية الحليف مع ضمان إبقاء أسعار النفط مرتفعة بما يتناسب مع موازنة الكرملين. ومن خلال تنامي التعاون العسكري التقني بين موسكو وطهران، فإن أي حديث عن نهاية قريبة للحرب يبدو بعيد المنال إلا في حال الوصول إلى تسوية جوهرية تحقق تطلعات جميع الأطراف المعنية.
لمعرفة المزيد: مراكز القوى في النظام الإيراني 2026.. من يمسك بزمام القرار في طهران خلف الستار؟

فإن الرهان على أن تكون المحادثات الروسية الإيرانية هي القوة الدافعة للأحداث المستقبلية في المنطقة، مع فشل المبادرة الأمريكية في كسر الجمود الدبلوماسي، يبدو أمرا واقعيا. فاستقرار الشرق الأوسط، في ظل التوازنات الرفيعة التي تديرها موسكو بكفاءة، مما يجعل من الصعب تصور مخرج للأزمة دون مشاركة روسية فاعلة في رسم الخارطة الجديدة للقوى في القرن الأفريقي والشرق الأوسط على حد سواء.






