روايات حفظ السلام والبطولات العسكرية التاريخية عادت لتتصدر المشهد السياسي عقب تصريحات أدلى بها رئيس بوتسوانا، دوما بوكو، أمام كبار قادة قوات الدفاع في بلاده (BDF). واستعرض الرئيس في خطابه تفاصيل أول مهمة خارجية شارك فيها جيش بوتسوانا قبل أكثر من ثلاثة عقود في الصومال، وتحديداً في مدينة بيدوا.
روايات حفظ السلام تناولها الرئيس بوكو بأسلوب يمزج بين الوقائع التاريخية والمأثورات الشفهية المتداولة بين الجنود، حيث أشار إلى أن قوات بلاده نجحت في كبح جماح وجبروت ميليشيات الجنرال الصومالي الشهير محمد فارح عيديد. وأضاف أن القوات الدولية الأخرى كانت قد عجزت عن فرض الأمن في تلك المنطقة قبل وصول كتيبة بوتسوانا، والتي تعرضت للاختبار الفوري من قِبل ميليشيات عيديد فور انتشارها على الأرض.
وحسب الرواية الرئاسية، فإن الرد العسكري لقوات بوتسوانا كان قوياً ومنظماً للغاية، مما أجبر مقاتلي عيديد على التراجع، وهو ما أكسب القوات الوطنية احتراماً كبيراً ومحبة جارفة من قِبل سكان مدينة بيدوا، الذين رفضوا لاحقاً التعامل مع أي قوات حفظ سلام أخرى لا تنتمي إلى جمهورية بوتسوانا.
الحقائق التوثيقية
روايات حفظ السلام والمواجهات المسلحة المذكورة في الخطاب الرئاسي تواجه تبايناً ملحوظاً عند مقاطعتها مع الدفاتر والوثائق التاريخية المتاحة حول العملية الدولية بالصومال.
وتؤكد السجلات الرسمية أن بوتسوانا أرسلت بالفعل نحو 300 جندي بقيادة المقدم “ثولاغانيو ماسيسي” في ديسمبر 1992 كجزء من عملية “إعادة الأمل” التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية، واستمرت القوات هناك تحت مظلة الأمم المتحدة حتى عام 1995.
إلا أن تقارير صحيفة “ديلي نيوز” الرسمية الصادرة في بوتسوانا لا تدعم فرضية وقوع معركة كبرى مع ميليشيات عيديد، بل تركز على الإشادة بانضباط الجنود والروابط الإنسانية الودية التي جمعتهم بالأهالي، الذين كانوا يهتفون باسم “بوتسوانا” ويرشدونهم إلى مخابئ الأسلحة السرية.
قد يعجبك: البطل أمين عبد الله وتفاصيل هجوم سان دييغو

جغرافيا الانتشار
روايات حفظ السلام وثقت توزيع القوات الدولية في إقليم باي؛ حيث كانت مدينة بيدوا تمثل مركز القيادة لكتيبة الجيش الهندي التي ضمت ثلاثة ألوية كاملة، بجانب تواجد وحدات دعم من الجيشين الأمريكي والأسترالي في المناطق المحيطة بها.
ولم تشر أي وثيقة عسكرية تابعة للأمم المتحدة إلى أن قوات بوتسوانا كانت تتولى الإشراف المنفرد على المدينة، أو أنها خاضت اشتباكاً فاصلاً أدى إلى دحر قوات الجنرال عيديد في تلك النواحي.
لمعرفة المزيد: التصنيف العالمي للوثائق الرسمية وبداية تعافي القيمة الدبلوماسية لجواز السفر الصومالي

كما أن سجل الخسائر الخاص بجيش بوتسوانا يؤكد خلو المهمة من أي وفيات ناجمة عن اشتباكات قتالية مباشرة، واقتصرت الإصابات على إعاقة جندي واحد جراء انفجار لغم أرضي، وهو ما ينفي حدوث معارك طاحنة.
سياق المعارك
روايات حفظ السلام تشير إلى أن المعارك المباشرة والدامية التي خاضها الجنرال محمد فارح عيديد ضد القوات الأممية تركزت بشكل أساسي في العاصمة مقديشو خلال عام 1993، وليس في مدينة بيدوا.
وشهدت العاصمة كمائن شهيرة أسفرت عن مقتل 24 جندياً من القوات الباكستانية في يونيو 1993، وتلتها عمليات مطاردة أمريكية مكثفة لعيديد انتهت بالمعركة الشهيرة والمعروفة عالمياً باسم “سقوط الصقر الأسود” (Black Hawk Down).
قد يهمك: تاريخ الحج في الصومال.. رحلات المعاناة والتواصل الثقافي عبر القرن الأفريقي

وكانت ميليشيات عيديد قد فرضت سيطرتها على بيدوا في عام 1992 قبل بدء التدخل الدولي، وتسببت الحرب حينها في مجاعة قاسية لأهل الإقليم، ويبدو أن الرواية المتداولة حالياً دمجت بين تلك الأحداث المأساوية السابقة وبين السمعة الطيبة والانضباط السلوكي العالي الذي تميزت به قوات بوتسوانا ونالت عليه ثناء المجتمع المحلي.






