معضلة التوافق الدستوري في مقديشو ومستقبل الاستقرار التشاركي بالقرن الأفريقي تصدرت أولويات المتابعة السياسية في المحافل الإقليمية، تزامناً مع انتهاء المهلة المحددة للمرحلة الرئاسية الراهنة، ودون التوصل إلى صيغة تفاهم وطنية تجمع الفرقاء وتضمن الانتقال السلس والقانوني للهياكل القيادية في الصومال.
وأسفر العجز عن صياغة قواسم مشتركة بين الهيئة الرئاسية والفعاليات السياسية المختلفة عن ولادة حالة من الغموض المؤسسي، ترافقت مع تحذيرات قانونية واسعة من خطورة تسيير المرفق العام بعيداً عن المرجعيات المكتوبة والعهود التشريعية، الأمر الذي يضع مصداقية التوجهات الحكومية على المحك.
وتعيش الأوساط المحلية والأحزاب السياسية حالة من الترقب والتوجس نتيجة غياب الرغبة لدى دوائر القرار في فتح قنوات اتصال حقيقية ومثمرة مع قادة الكتل البديلة، مما تسبب في إضعاف قنوات التفاوض وهدم ركائز السلم الأهلي والتعايش التي أرسيت بجهود شاقة في الفترات الماضية.
أزمة الصلاحيات وتراجع الثقة الإقليمية
ترتبط تداعيات معضلة التوافق الدستوري في مقديشو ومستقبل الاستقرار التشاركي بالقرن الأفريقي بالمحاولات المستمرة من السلطة المركزية لفرض إرادتها السياسية وتوجيه بوصلة القرارات داخل الولايات الأعضاء في الاتحاد، ولا سيما في الأقاليم الوسطى والجنوبية.
وانتقدت الحكومات المحلية هذه التدخلات ووصفتها بأنها تقويض صريح للسيادة الإقليمية، ومحاولة لتحويل المسارات الشورية والانتخابية إلى تعيينات تابعة بشكل مطلق لإرادة العاصمة، مما أفرغ المشروع الاتحادي من مبادئه القائمة على المشاركة وصناعة القرار الجماعي.
إقرأ كذالك: انسداد الأفق السياسي في الصومال والتحولات الهيكلية للنظام الاتحادي

وأدت هذه السياسات الحمائية إلى تحفيز الخلافات العشائرية القديمة واتساع الفجوة التشاركية بين القواعد الشعبية والحكومة الفيدرالية، مما انعكس سلباً على كفاءة البرامج الإنسانية والخدمية نتيجة تركيز الجهود والمقدرات المالية على إدارة الأزمات السياسية بدلاً من تطوير القطاعات الأساسية.
وتعتقد القيادات الإقليمية في الولايات المستقرة أن هذه التجاوزات المستمرة لبنود المسودة الدستورية المؤقتة تهدد بنسف النسيج التوافقي للدولة، وتحول النظام الاتحادي إلى مجرد لافتة بروتوكولية تخلو من القدرة على تقديم حلول ملموسة وشاملة للمواطن على الأرض.
التأثيرات الأمنية وتحولات العقيدة العسكرية
يتكامل ملف معضلة التوافق الدستوري في مقديشو ومستقبل الاستقرار التشاركي بالقرن الأفريقي مع الانعكاسات المقلقة التي أصابت المنظومة الدفاعية والأمنية للبلاد، جراء سحب بعض الفرق العسكرية المتخصصة والمدربة بكفاءة من جبهات المواجهة وتكليفها بمهام أمنية داخل العاصمة.
وتسبب هذا التحول اللوجستي في تراجع الضغط الميداني المسلط على التنظيمات المتطرفة والجماعات المسلحة، التي استغلت هذا الارتباك لإعادة الانتشار في المناطق الريفية والمنافذ الحيوية، مستفيدة من ضعف التنسيق والرقابة الأمنية في المقاطعات الجنوبية.
قد يهمك: تداعيات أزمة الحكم في مقديشو وأبعادها الدستورية والسياسية على مستقبل النظام الفيدرالي

وأشارت تقارير ميدانية إلى أن توظيف القدرات الدفاعية في تأمين وحماية المواقع الحزبية والمقار الإدارية في العاصمة أحدث خللاً استراتيجيّاً بالخطوط الأمامية، وأثر سلباً على الروح المعنوية للأفراد والضباط نتيجة الزج بالمؤسسة الوطنية في الخلافات السياسية الضيقة.
ويحذر خبراء عسكريون من مخاطر تفتت البنية الدفاعية وتحولها إلى فصائل متباينة الولاء والتمويل، مما يهدد السيادة الوطنية ويجعل الدولة عاجزة عن تحمل التزاماتها الأمنية الكاملة وحماية منافذها الجوية والبرية والبحرية دون الاستعانة بالبعثات العسكرية الخارجية.
تحديات الحوكمة ونزاهة الجهاز الإداري
تتقاطع مآلات معضلة التوافق الدستوري في مقديشو ومستقبل الاستقرار التشاركي بالقرن الأفريقي مع تزايد الشكاوى المتعلقة بغياب معايير الكفاءة والاستحقاق في الوظائف الحكومية، وإسناد مناصب إدارية ودبلوماسية واقتصادية حساسة لشخصيات تعتمد على القرب من دوائر النفوذ.
وأدى هذا النهج الإداري إلى نشوء حالة من الترهل والجمود داخل الهياكل الوزارية، مما حرك موجة من الانتقادات الحادة من جانب النخب والكوادر الوطنية المستقلة، التي اعتبرت هذه الممارسات عائقاً أمام بناء مؤسسات قوية قادرة على تحقيق الإصلاح والتنمية المستدامة.
وتزامنت هذه التحديات الإدارية مع تقارير تتناول سوء إدارة وتوزيع العقارات العامة، وتوجيه جزء من الموارد المالية للمنح الإنسانية لكسب الدعم العشائري، مما تسبب في حرمان الشرائح المجتمعية الأكثر تضرراً من الاستفادة من المساعدات المخصصة لمواجهة الجفاف والفقر.
ودفعت هذه الأوضاع غير المستقرة بعض الهيئات الإغاثية والصناديق التنموية الدولية إلى مراجعة وتحديث أساليب عملها، ووضع شروط رقابية بالغة الصرامة لضمان وصول الموارد المالية والعينية إلى مستحقيها الفعليين، بعيداً عن كواليس المساومات الحزبية والسياسية.
تغيير القيادات الميدانية وضعف الجاهزية
إن استمرار معضلة التوافق الدستوري في مقديشو ومستقبل الاستقرار التشاركي بالقرن الأفريقي طال بشكل مباشر استقرار الكوادر القيادية بالجيش، حيث أجريت تغييرات وتعديلات واسعة النطاق أقصت ضباطاً من ذوي الكفاءة العالية في الخطط التكتيكية وحروب العصابات.
ونتج عن هذه التعيينات المفاجئة تراجع في مستويات التنسيق والعمليات المشتركة بين الجيش الفيدرالي والوحدات المحلية التابعة للولايات، مما وفر فرصة سانحة للجماعات المسلحة لتنفيذ هجمات خاطفة استهدفت مواقع حيوية وقواعد عسكرية في أطراف المدن.
ويرى فلانقيتيون ومحللون سياسيّون وعسكريّون أن توجيه ميزانيات التسليح والتجهيز اللوجستي نحو كسب الولاءات القبلية يعرض أمن البلاد للخطر، ويترك المنظومة الدفاعية مكشوفة أمام التهديدات، خاصة مع تسارع الخطوات الدولية لإنهاء مهام البعثات الإفريقية الحامية.
أفق الحل ومسار المصالحة الوطنية الشاملة
يظهر أن تجاوز تداعيات معضلة التوافق الدستوري في مقديشو ومستقبل الاستقرار التشاركي بالقرن الأفريقي يستدعي بالضرورة إعلاء قيم الحوار، والالتزام بالقوانين المنظمة والمواثيق المبرمة، ووقف التعديات على الأصول والموارد العامة.
ويتطلب الخروج من هذا المأزق المعقد تضافر الجهود لعقد مؤتمر حوار وطني موسع وجامع يحظى برعاية وضمانات من أطراف دولية وإقليمية تتمتع بالحياد والنزاهة، يجمع كافة المكونات لوضع ميثاق عمل مشترك يدير المرحلة القادمة ويحمي وحدة البلاد.
إقرأ كذالك: أبعاد المآلات الدستورية والسياسية المترتبة على تداعيات أزمة الحكم في مقديشو

وستبقى الرغبة في تقديم التنازلات المتبادلة والاعتراف بحقوق الشركاء في الوطن هي الضمانة الأساسية لحماية وحدة النسيج الصومالي، ومنع تحول منطقة القرن الأفريقي إلى ساحة جديدة للصراعات والنزاعات الممتدة التي تهدد الاستقرار والسلم الإقليمي لعام 2026.






