أزمة سد النهضة تدخل منعطفاً حرجاً مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، حيث تتصاعد المخاوف في مصر من تكرار سيناريو التدفقات المائية غير المنتظمة التي ألحقت أضراراً بالغة بدولتي المصب العام الماضي.
إن أزمة سد النهضة تفرض واقعاً جغرافياً معقداً، إذ يبدأ موسم الأمطار في حوض النيل الأزرق مطلع شهر مايو، بينما لا تزال بحيرة السد شبه ممتلئة بنحو 47 مليار متر مكعب من المياه. وبالرغم من التحذيرات الفنية بضرورة تفريغ جزء من هذه الكميات بشكل تدريجي ومنتظم لخفض المنسوب قبل ذروة الأمطار في يوليو، إلا أن غياب التنسيق والإخطار المسبق من الجانب الإثيوبي يجدد خطر الفيضانات العشوائية التي قد تضر بمصر والسودان.
ومن هنا، يبرز التحدي في كيفية إدارة هذا المورد المائي في ظل توقف مسارات التفاوض وغياب الإرادة السياسية للتوصل إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل.
الوضع الميداني وصور الأقمار الاصطناعية
تظهر أحدث الصور عبر أقمار الصناعة حال توقف الفن في السد، فالتوربينات العلوية توقفت خلال الأسبوعين الماضيين، في حين أن توربيني النموذج الأدنى يبقىان متوقفين منذ يونيو الماضي. كما أن مشكلة سد النهضة قد بلغت حدًا غير مسبوق مع قيام البحيرة بمراقبة مستوى المياه الذي وصل إلى حوالي 47 مليار متر مكعب عند ارتفاع 629 مترًا فوق مستوى سطح البحر، وهي نسبة تتجاوز بكثير التوقعات التي يحتمل أن تكون بين 20 مليار متر مكعب فقط.
وفي ظل استقرار المستوى المائي للبحيرة حتى الآن منتصف شهر أبريل الحالي، يمكن القول إن عدم وجود الإدارة الملائمة لتوفير السيولة يعد من أهم المشاكل التي يواجهها سد النهضة، وهو ما يتطلب من الإثيوبيين اتخاذ الخطوات اللازمة لإطلاق بوابات المفيض بشكل متدرّج، مما يؤدي إلى تدفقات مائية ضخمة وغير متوقعة نحو المصب.
قد يهمك: العلاقات الأمريكية الإريترية.. واشنطن تخطط لرفع العقوبات واستعادة هذه الشراكة

الأضرار السابقة وغياب التنسيق
يرجع مصدر القلق المصري إلى التجارب المريرة التي واجهتها في سبتمبر وأكتوبر من العام الماضي بسبب ضخ كميات كبيرة من المياه من دون سابق إشعار. وقد أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن هذا السلوك أدى بالفعل إلى تعرّض دولتي المصب للأضرار، حيث أشار إلى أن الحل الوحيد لتوفير التوازن بين الجانبين يتمثل في الاتفاق القانوني فقط. وبناء على هذا الأمر، أصبحت أزمة سد النهضة قد أثرت في مصر العام الماضي حيث اضطرت مصر لإخلاء مفيض توشكى، مما أدى إلى تضييع كميات من المياه في الصحراء نتيجة عنصر المفاجأة.
رغم قدرة السد العالي على توفير الحماية من الفيضان بالنسبة لمصر، إلا أنه تعرض السودان لغرق كبير من أراضيه. فعلى أية حال، أثبتت أزمة سد النهضة أن الحل الأمثل يكمن في مشاركة المعلومات الفنية والتفريغ التدريجي والذي يخدم المصلحة المشتركة ولكن ليس هناك أي بصيص من الأمل في تحقيق ذلك خلال الفترة القريبة القادمة، خاصة بعد أن أعلن الرئيس المصري عن تجميد المفاوضات في العام 2024 نتيجة غياب الإرادة السياسية الإثيوبية.
قد يعجبك: شبكات التجسس في إيران.. طهران تعدم أعضاء شبكة مرتبطة بالموساد

آفاق النزاع والجمود السياسي
استمرت إثيوبيا في التأكيد على أن الغرض الأساسي من بناء السد هو تنمية البلاد وأنهم ليس لديهم نية لإيذاء دول المصب، ولكن هذا الواقع لا يعكس إلا جزءًا صغيرًا من الحقيقة التي يتمثل فيها أنها لا زالت تحكم قرارات تشغيل السد. في الواقع، يمكن القول بأن سد النهضة يعاني من حالة من الجمود، حيث يتم الإجماع على عدم وجود جديد في مجرى هذا النزاع. وأخيرا، مع بداية موسم الأمطار، كل الأعين تتوجه إلى مدى استجابة إثيوبيا للمطالب الفنية بإعادة فتح بوابات السد.
لمعرفة المزيد: من هو منفذ هجوم عشاء المراسلين؟.. المهندس الذي حاول استهداف قمة الهرم السياسي الأمريكي

المواصلة في تشغيل السد بشكل عشوائي سوف تزيد فقط من تخوفات مصر والسودان، والتي تدفعهما نحو استئناف المفاوضات لتجنب الكارثة البيئية والاقتصادية. أخيرًا، فإن مشكلة سد النهضة تبقى حجر الزاوية الذي سيختبر قدرة دول حوض النيل على العمل الجماعي، لضمان استدامة الموارد المائية وتحقيق التنمية دون المساس بالحقوق التاريخية والمصالح الوجودية لدولتي المصب.






