يشهد المشهد اللبناني اليوم تصعيداً عسكرياً هو الأخطر من نوعه منذ سنوات، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي عن صدور أوامر عملياتية واضحة وصارمة بجعل كامل المنطقة الممتدة من الحدود وحتى جنوب نهر الليطاني منطقة إطلاق نار فتاك. هذا القرار الذي صدر على لسان رئيس الأركان إيال زامير يأتي في توقيت شديد الحساسية، حيث تتزامن لغة الرصاص مع انطلاق جولات تفاوضية في واشنطن تهدف إلى وضع حد لعقود من نفوذ حزب الله في الدولة اللبنانية، مما يضع مستقبل البلاد على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة.
زامير والقبضة الحديدية.. تكتيك الأرض المحروقة
خلال تفقده للقوات المنتشرة في العمق اللبناني، أكد إيال زامير أن استراتيجية الجيش الحالية تهدف إلى القضاء المباشر على أي عنصر ينتمي لحزب الله يتواجد في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. ويرى القادة العسكريون في تل أبيب أن الحزب أصبح في أضعف حالاته بعد أن فقد أكثر من 1700 من مقاتليه منذ اندلاع المواجهات في مارس الماضي. إن تحويل هذه المنطقة الجغرافية الحيوية إلى ساحة مفتوحة للاستهداف المباشر يعني أن إسرائيل تسعى لفرض واقع أمني جديد بالقوة، يمنع عودة أي مظاهر عسكرية للحزب إلى تلك القرى والبلدات التي باتت تعاني من دمار هائل نتيجة الغارات الجوية المستمرة.

تعرف المزيد على: مفاوضات لبنان وإسرائيل.. هل تمتلك بيروت أوراقاً حقيقية بين مطرقة الحصار وسندان التسلح؟
سياق الحرب: من اغتيال خامنئي إلى غزو الجنوب
لا يمكن فهم ما يحدث اليوم في جنوب نهر الليطاني دون العودة إلى الشرارة الأولى التي اندلعت في فبراير الماضي، عقب مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي. تلك الحادثة دفعت حزب الله إلى فتح جبهة الصواريخ تجاه إسرائيل في الثاني من مارس، مما استدعى رداً إسرائيلياً وأمريكياً واسع النطاق تجاوز الحدود التقليدية للاشتباك. ورغم إعلان واشنطن عن وقف إطلاق نار مع إيران في الثامن من أبريل الحالي، إلا أن الجيش الإسرائيلي واصل عملياته البرية والجوية داخل الأراضي اللبنانية، معتبراً أن أمن حدوده الشمالية يقتضي تطهيراً كاملاً للمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني من أي وجود لميليشيات موالية لطهران.

دبلوماسية واشنطن.. فرصة تاريخية أم شروط مستحيلة؟
في الوقت الذي تتصاعد فيه أعمدة الدخان فوق مدينة صور وقرية أرنون، تجلس الوفود اللبنانية والإسرائيلية في واشنطن لبحث سبل وقف القتال. ترى الحكومة الإسرائيلية في هذه اللحظة “فرصة تاريخية” لإعادة صياغة المشهد اللبناني بعيداً عن هيمنة السلاح غير الشرعي. إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى تعقيدات كبيرة، فالإصرار الإسرائيلي على السيطرة النارية المطلقة في جنوب نهر الليطاني قد يصطدم برفض لبناني رسمي يعتبر ذلك انتهاكاً للسيادة، حتى في ظل الضعف الذي يعتري مؤسسات الدولة اللبنانية. إن المعضلة الكبرى تكمن في كيفية تحويل الانتصارات العسكرية الميدانية إلى اتفاق سياسي مستدام يضمن عدم عودة التوتر إلى المنطقة الحدودية.
قد يهمك: أسباب رفض إيران وقف إطلاق النار المؤقت مع الولايات المتحدة وإسرائيل
المعاناة الإنسانية وظلال الدمار
خلف البيانات العسكرية الصارمة، تكمن مأساة إنسانية يعيشها سكان القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني. فالغارات الجوية المكثفة التي تنفذها الطائرات الحربية والمدفعية الثقيلة لم تترك مجالاً للحياة الطبيعية، حيث نزح مئات الآلاف من بيوتهم بحثاً عن أمان مفقود. ومع صدور الأوامر الجديدة بإطلاق النار الفتاك على أي عنصر مشتبه به، تزداد المخاوف من وقوع ضحايا مدنيين عالقين في مناطق الاشتباك. إن تحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة يعيق وصول المساعدات الإغاثية ويجعل من عملية انتشال الضحايا أو إصلاح المرافق الحيوية أمراً مستحيلاً في ظل التحليق المكثف للمسيرات والطائرات الحربية.

إقرأ كذلك: فشل مفاوضات إسلام آباد وسط خيبة أمل كبيرة
يبقى جنوب نهر الليطاني هو المركز الذي ستتحدد فيه ملامح المرحلة القادمة للشرق الأوسط بأكمله. فإما أن تنجح الضغوط العسكرية الإسرائيلية في فرض واقع جديد ينهي نفوذ الأطراف الموالية لإيران، أو أن تنجح الدبلوماسية في واشنطن في إيجاد مخرج يحفظ ما تبقى من الدولة اللبنانية. وبين هذا وذاك، يظل الميدان هو الحكم الوحيد، حيث لا تزال لغة الرصاص هي الأعلى صوتاً، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القليلة القادمة من نتائج قد تغير وجه المنطقة لعقود طويلة.






