الصراع يهدد غذاء العالم، الخليج مركز صناعة الأسمدة، حيث لم تعد التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط مسألة سياسية أو عسكرية فحسب، بل تحولت إلى عامل يثير القلق بشأن الأمن الغذائي العالمي. فمع تعثر حركة الملاحة في مضيق هرمز، بدأ خبراء الاقتصاد والزراعة يحذرون من تداعيات قد تطال إمدادات الغذاء في العالم. ولهذا يتردد تحذير واضح بين المختصين مفاده أن الصراع يهدد غذاء العالم إذا استمرت اضطرابات الشحن في المنطقة لفترة طويلة.
وتتمتع دول الخليج بمكانة مهمة في سوق الأسمدة العالمية. فإلى جانب كونها من أكبر منتجي النفط والغاز، نجحت خلال العقود الماضية في بناء صناعة متطورة لإنتاج الأسمدة، مستفيدة من وفرة الغاز الطبيعي الذي يمثل المادة الأساسية في تصنيع الأسمدة النيتروجينية. وتعتمد الزراعة الحديثة في كثير من دول العالم على هذه الأسمدة لتعزيز إنتاج المحاصيل وزيادة الغلال الزراعية.
مضيق هرمز… شريان تجارة الأسمدة

تكمن خطورة الأزمة الحالية في موقعها الجغرافي. فمضيق هرمز يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره كميات ضخمة من السلع الاستراتيجية، بينها النفط والغاز والأسمدة. وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر هذا المضيق، ما يجعله شرياناً أساسياً لإمدادات الزراعة العالمية.
ويشير خبراء الصناعة إلى أن عدداً من الدول في المنطقة، مثل إيران وقطر والسعودية والإمارات، يمثل جزءاً كبيراً من صادرات اليوريا والأمونيا في العالم. وتساهم هذه الدول بما يقرب من 34 في المئة من تجارة اليوريا العالمية و23 في المئة من تجارة الأمونيا.
وبسبب هذا الاعتماد الكبير، يحذر اقتصاديون من أن الصراع يهدد غذاء العالم إذا تعطلت حركة التصدير لفترة أطول، لأن الأسواق الزراعية تعتمد على تدفق منتظم للأسمدة وليس على مخزونات ضخمة.
الكبريت… عنصر خفي في الأزمة
ولا تقتصر المخاطر على الأسمدة النيتروجينية فقط، بل تمتد أيضاً إلى الكبريت، وهو مادة أساسية تدخل في تصنيع الأسمدة الفوسفاتية. وتشير البيانات إلى أن نحو نصف شحنات الكبريت المنقولة بحراً في العالم تمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل أي تعطيل في هذا الطريق مؤثراً مباشرة في صناعة الأسمدة العالمية.
وتستخدم هذه المادة بشكل واسع في تحويل صخور الفوسفات إلى أسمدة صالحة للاستخدام الزراعي. لذلك يرى محللون أن الصراع يهدد غذاء العالم ليس فقط بسبب نقص الأسمدة الجاهزة، بل أيضاً نتيجة اضطراب إمدادات المواد الخام التي تدخل في إنتاجها.
ارتفاع الأسعار وتأثيره على المزارعين
مع تراجع حركة الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، بدأت أسعار بعض أنواع الأسمدة في الارتفاع بالفعل في الأسواق الدولية. ويضع هذا الارتفاع المزارعين أمام معادلة صعبة، لأن الأسمدة تمثل جزءاً كبيراً من تكاليف الإنتاج الزراعي.
وتشير تقارير السوق إلى أن تعطل الإمدادات قد يؤدي إلى فقدان ما بين ثلاثة وأربعة ملايين طن من الأسمدة شهرياً من السوق العالمية إذا استمرت الأزمة.
ولهذا يرى خبراء الزراعة أن الصراع يهدد غذاء العالم لأن المزارعين غالباً ما يلجؤون إلى تقليل استخدام الأسمدة عندما ترتفع أسعارها بشكل كبير، وهو ما يؤدي لاحقاً إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل الزراعية.
الدول الأكثر عرضة للمخاطر

تختلف درجة تأثير الأزمة من دولة إلى أخرى، لكن الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الأسمدة تبدو الأكثر عرضة للمخاطر. وتشمل هذه الدول عدداً من الاقتصادات الزراعية الكبرى مثل الهند والبرازيل وبعض الدول الأفريقية.
وتكمن المشكلة في أن الأسمدة أصبحت عنصراً أساسياً في الزراعة الحديثة، إذ يعتمد نحو نصف الإنتاج الغذائي العالمي على استخدام الأسمدة الصناعية. ولذلك يرى كثير من الخبراء أن الصراع يهدد غذاء العالم إذا تحولت الأزمة الحالية إلى اضطراب طويل في سلاسل الإمداد العالمية.
البحث عن بدائل واستقرار السوق
رغم المخاوف المتزايدة، يشير بعض المحللين إلى أن الأسواق قد تستعيد توازنها إذا عادت حركة الشحن إلى طبيعتها خلال فترة قصيرة. كما قد تلجأ بعض الدول إلى زيادة الإنتاج المحلي أو البحث عن مصادر بديلة للأسمدة.
لمعرفة المزيد: ملعب الأمل يضيء قلوب الأيتام
صورة خاتمة الصراع يهدد غذاء العالم

لكن الدرس الأهم من هذه الأزمة هو أن سلاسل الغذاء العالمية أصبحت شديدة الحساسية للتوترات الجيوسياسية. ومع استمرار التوترات في المنطقة، يبقى السؤال المطروح بين الخبراء: إلى أي مدى يمكن للنظام الغذائي العالمي أن يتحمل مثل هذه الصدمات، خاصة عندما يتأكد مرة أخرى أن الصراع يهدد غذاء العالم.





