شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا، ذاكرة أزمة لم تغب بعد، شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا من جديد في لحظة حساسة لاقتصادات القارة التي لم تتعافَ بالكامل بعد من آثار أزمة الطاقة الكبرى التي اندلعت عام 2022 مع اندلاع الحرب في أوكرانيا. حينها قفزت أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، واضطرت الحكومات الأوروبية إلى ضخ مليارات اليوروهات في شكل حزم دعم طارئة لحماية الأسر والشركات من موجة غلاء غير مسبوقة.
اليوم، ومع دخول الحرب في الشرق الأوسط أسبوعها الثاني، يعود القلق ذاته إلى دوائر القرار والأسواق. فالتوترات الجيوسياسية في منطقة تُعد شرياناً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية تثير مخاوف حقيقية من اضطراب جديد في الأسواق، ما يعيد إلى الواجهة المخاوف من تكرار السيناريو الذي أرهق اقتصادات أوروبا قبل أربع سنوات.
الأسواق تستعيد ذاكرة 2022

في أروقة الأسواق المالية الأوروبية يتردد الحديث ذاته: شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا مرة أخرى. ورغم أن المؤشرات الحالية لا تعكس بعد القفزات الحادة التي شهدتها الأسعار في عام 2022، فإن القلق يتصاعد تدريجياً.
فقد تراجع سعر النفط إلى ما دون مستوى 100 دولار للبرميل بعد أن تجاوز هذا السقف لفترة قصيرة، في حين لم ترتفع أسعار الغاز حتى الآن بالمعدلات القياسية التي عرفتها القارة خلال الأزمة السابقة. ومع ذلك، يرى مراقبون أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يغير المعادلة سريعاً، خاصة إذا تعرضت طرق نقل النفط والغاز لأي اضطرابات طويلة.
مضيق هرمز… نقطة القلق الكبرى
تتجه أنظار الأسواق إلى نقطة جغرافية شديدة الحساسية: مضيق هرمز. ففي حال تعطلت شحنات النفط الخام عبر هذا الممر البحري الحيوي، قد تدخل الأسواق العالمية مرحلة اضطراب حقيقي. عندها يصبح احتمال أن شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا أكثر واقعية من أي وقت مضى.
التقديرات تشير إلى أن أي تعطل مطول في حركة الناقلات سيؤدي إلى ارتفاع سريع في الأسعار العالمية، ما ينعكس مباشرة على اقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاتها من الطاقة.
تضخم محتمل وضغوط اقتصادية

تتوقع مؤسسات اقتصادية دولية أن أي صدمة سعرية حتى لو كانت قصيرة نسبياً قد ترفع معدلات التضخم في المملكة المتحدة ومنطقة اليورو بنحو نصف نقطة مئوية بحلول نهاية العام.
وفي هذا السياق، تتزايد رهانات المستثمرين على احتمال قيام البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة مرة أخرى لمواجهة موجة تضخمية محتملة. هذا السيناريو يعزز الشعور بأن شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا في لحظة تعافٍ اقتصادي ما زال هشاً.
اعتماد كبير على الواردات
يرى خبراء الطاقة أن أحد أبرز أسباب هشاشة أوروبا أمام صدمات الأسواق هو اعتمادها الكبير على الاستيراد. فالقارة الأوروبية تستورد نحو 60 في المئة من إجمالي احتياجاتها من الطاقة، ما يجعلها عرضة بشكل مباشر لتقلبات الأسواق العالمية.
ويؤكد مختصون أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر تأثيره على قطاع واحد فقط، بل يمتد إلى الكهرباء والنقل والصناعة والإنتاج. ولهذا السبب تحديداً يتردد التحذير مجدداً بأن شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا في ظل أي اضطراب عالمي.
نهاية الغاز الروسي تفتح تحديات جديدة
يزداد هذا القلق مع قرار الاتحاد الأوروبي التخلي تدريجياً عن الغاز الروسي بحلول عام 2027. ورغم أن هذا القرار يهدف إلى تعزيز الاستقلالية الطاقوية للقارة، فإنه في المدى القصير قد يزيد الضغوط على أسواق الطاقة.
ففقدان أحد أكبر مصادر الإمداد التقليدية في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية قد يؤدي إلى تضييق المعروض في الأسواق العالمية. وفي مثل هذه الظروف، يعود السؤال ذاته بقوة: هل سيصبح شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا حقيقة اقتصادية جديدة؟
خلاف أوروبي حول الحلول

تُظهر التطورات الأخيرة أيضاً غياب رؤية موحدة داخل الاتحاد الأوروبي للتعامل مع تقلبات أسعار الطاقة. فبينما يدعو بعض المسؤولين إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، يرى آخرون أن الحل الأكثر واقعية حالياً يتمثل في زيادة استيراد النفط والغاز من مصادر جديدة.
هذا الانقسام يعكس حجم التحدي الذي تواجهه القارة، ويعزز الشعور بأن شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا في وقت تحتاج فيه إلى قرارات سريعة وحاسمة.
المخزونات والصناعة تحت الضغط
القلق الأوروبي لا يرتبط فقط بأسعار النفط، بل يمتد أيضاً إلى وضع مخزونات الغاز التي تراجعت نسبياً في بعض الدول. ومع توقف أو تعثر بعض الإمدادات، ارتفعت المخاوف بشأن مستقبل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
فإذا استمرت الأسعار في الارتفاع لفترة طويلة، قد تضطر بعض المصانع إلى تقليص الإنتاج أو حتى إيقافه مؤقتاً، وهو ما قد يؤثر في القدرة التنافسية لاقتصادات صناعية كبرى مثل ألمانيا وإيطاليا. وفي مثل هذا السيناريو يصبح واضحاً أن شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا ليس مجرد تحذير نظري بل احتمال اقتصادي حقيقي.
لمعرفة المزيد: حرب إيران تربك سياسات البنوك المركزية العالمية وتزيد مخاطر الركود التضخمي
صورة خاتمة شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا

في ضوء هذه التطورات، تبدو أوروبا أمام اختبار اقتصادي جديد في سوق طاقة عالمي يتأثر بشدة بالتوترات السياسية والحروب. فالحكومات التي أنفقت مليارات اليوروهات في أزمة 2022 تجد نفسها اليوم أقل قدرة على تقديم دعم واسع النطاق مرة أخرى، خاصة في ظل تراكم الديون العامة.
لهذا يحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار الاضطرابات الجيوسياسية قد يؤدي إلى موجات متكررة من تقلبات أسعار الطاقة، وهو ما يعني ببساطة أن شبح صدمة الطاقة يطارد أوروبا في مرحلة حساسة من مسار تعافيها الاقتصادي.






