هل انتهى عصر البرمجيات؟يشهد قطاع البرمجيات كخدمة (SaaS) لحظة فارقة مع الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي، ما أثار تساؤلات عميقة في أوساط المستثمرين ورواد التكنولوجيا: هل نحن أمام تحول طبيعي في دورة الابتكار، أم بداية تآكل نموذج سيطر على سوق البرمجيات طوال عقدين؟ وبينما يتردد السؤال المثير للجدل، هل انتهى عصر البرمجيات؟، يرى خبراء أن المشهد أكثر تعقيداً من مجرد نهاية أو استمرار.
مخاوف السوق وتقلبات الأسهم

تقرير لصحيفة فايننشال تايمز أشار إلى تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة Salesforce، مارك بينيوف، الذي رفض الحديث عن “كارثة SaaS”، رغم أن الشركة توقعت إيرادات سنوية تتراوح بين 45.8 و46.2 مليار دولار، أقل بقليل من توقعات المحللين. أسهم الشركة، التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها، تراجعت بنحو 27 بالمئة منذ بداية العام، في ظل ضغوط مرتبطة بالمخاوف من تأثير شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة مثل Anthropic.
هذا التراجع لم يقتصر على شركة واحدة، بل شمل شركات بارزة مثل Intuit وWorkday وServiceNow، ما غذّى مصطلح “SaaS-pocalypse” المتداول في الأسواق. ومع تصاعد القلق، عاد السؤال بقوة: هل انتهى عصر البرمجيات؟
صعود الوكلاء الأذكياء
التحول الأبرز يتمثل في بروز مفهوم “الوكلاء الأذكياء” القادرين على تنفيذ المهام واتخاذ القرارات نيابة عن المستخدم. فقد أطلقت Salesforce أداة “Agentforce” التي تتيح تنفيذ إجراءات كاملة في خدمة العملاء دون تدخل بشري مباشر. في المقابل، تقود شركات مثل OpenAI وGoogle DeepMind موجة تطوير نماذج متقدمة تعيد تعريف طريقة التفاعل مع البرمجيات.
لم تعد التطبيقات مجرد واجهات مليئة بالقوائم والأزرار، بل أصبحت منصات قادرة على الفهم والتحليل. هنا يتجدد الجدل: هل انتهى عصر البرمجيات؟ أم أننا نشهد انتقالاً من “Software as a Service” إلى “Intelligence as a Service”؟
من الاشتراك إلى الذكاء

خلال العقدين الماضيين، رسّخت شركات مثل Microsoft وAdobe نموذج الاشتراك السحابي، حيث كانت القيمة في التحديث المستمر والبنية المرنة. اليوم، تتغير المعادلة؛ فالقيمة لم تعد في إتاحة الأداة فقط، بل في قدرة النظام على التفكير نيابة عن المستخدم.
البرمجيات الأفقية البسيطة، كأدوات إعداد التقارير أو إدارة المهام، تبدو الأكثر عرضة للضغط، إذ يمكن لوكيل ذكي واحد تنفيذ مهام عدة موظفين. ومع ذلك، لا تزال المؤسسات تحتاج إلى الأمان والامتثال والتكامل وضمانات الخدمة، وهي عناصر يصعب على نموذج ذكاء اصطناعي مستقل توفيرها دون منصة مؤسسية متكاملة. لذلك يطرح البعض السؤال ذاته: هل انتهى عصر البرمجيات؟
موجة بيع عالمية
تقرير لصحيفة الغارديان أشار إلى أن موجة البيع طالت شركات في أستراليا والولايات المتحدة. فقد تراجعت أسهم Atlassian بنحو 50 بالمئة منذ يناير، كما تكبدت شركات مثل Xero وWiseTech خسائر سوقية كبيرة.
المستثمرون يتساءلون: لماذا تدفع مقابل تطبيق متخصص للمحاسبة أو إدارة المشاريع، بينما يمكنك ببساطة أن تطلب من نموذج ذكي تنفيذ المهمة عبر واجهة محادثة؟ هذا الطرح يعزز الرواية القائلة بأننا أمام تحول جذري، ويعيد تكرار السؤال المركزي: هل انتهى عصر البرمجيات؟
إعادة تشكيل لا نهاية
رغم الضجيج، يتفق عدد من الخبراء على أن الحديث عن نهاية SaaS مبالغ فيه. فالتحول الحالي لا يعني اختفاء الاشتراكات، بل إعادة تعريفها. الاشتراك المستقبلي سيكون في ذكاء رقمي متكامل، لا في أداة جامدة. الشركات التي تعيد بناء منتجاتها حول مفهوم “الوكيل الذكي” قد تخرج أقوى، بينما ستتراجع الأدوات الصغيرة المتخصصة التي لم تطور بنيتها.
لمعرفة المزيد: البنتاغون يهدد شركة ذكاء اصطناعي
صورة خاتمة هل انتهى عصر البرمجيات؟

خلال السنوات القليلة المقبلة، يُتوقع فرز واضح في السوق: اختفاء بعض الشركات، وصعود منصات ذكاء مدمجة بالكامل، وانتقال مركز القوة من الواجهة إلى طبقة البيانات والنماذج. وهكذا، يبقى السؤال مطروحاً، لكن بصيغة مختلفة: هل انتهى عصر البرمجيات؟ أم أننا ببساطة نشهد ولادة جيل جديد منها، أكثر ذكاءً واندماجاً في صميم الاقتصاد الرقمي؟






