الانقسامات الحادة التي ظلت تتردد داخل أروقة السلطة في طهران خرجت إلى العلن بما لا يدع مجالاً للشك، في لحظة مفصلية تبيّن أنها تاريخية وسط صراع محتدم، حيث أظهرت تقارير اليوم تفاصيل عن كيفية دخول مجلس الأمن القومي الإيراني مباشرة إلى مياه سعيًا إلى السيطرة على إدارة مفاوضات ملف واشنطن.
ويأتي ذلك في أعقاب موجة انتقادات موجّهة لوزير الخارجية عباس عراقجي، واتّهامات بأنه أفسد الخبر المتعلق بفتح مضيق هرمز. تعكس البيانات الكبرى الصادرة عن مجلس الأمن القومي الإيراني أن إيران دخلت مرحلة جديدة يتعين خلالها تشكيل وحدة وطنية، على أن يكون مسار الدبلوماسية الصلبة ومسار الميدان معًا. وقد تدخل مجلس الأمن القومي بشكل أساسي إن لم يكن حصريًا، لتوضيح ظروف المباحثات في إسلام آباد، فضلًا عن تصحيح الصورة في عدد من القضايا مثل ما الذي يُعدّ وقف إطلاق نار قصيرًا (مؤقتًا)، وكيف كان يُنظر إلى السيطرة البحرية. بالتزامن مع ذلك، يعتقد المراقبون أن لمجلس الأمن القومي الإيراني دورًا حاسمًا في كبح جماح الهجمات التي تنفذها منصات قريبة من الحرس الثوري ضد دبلوماسية حقيقية.
كواليس إسلام آباد.. 21 ساعة من المعركة السياسية
كشف بيان الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي الإيراني، التي يترأسها القيادي محمد باقر ذو القدر، أن المفاوضات مع الطرف الأمريكي لم تكن سهلة على الإطلاق، حيث استمرت لـ 21 ساعة متواصلة من النقاشات الشاقة. وأوضح البيان أن طهران قبلت الجلوس إلى الطاولة في اليوم الأربعين للحرب بعد موافقة واشنطن على الخطة العشرية الإيرانية كإطار للحل.
ومع ذلك، أكد مجلس الأمن القومي الإيراني أن الوفد الإيراني اصطدم بمطالب أمريكية مبالغ فيها، مما أدى إلى انتهاء الجولة دون نتائج ملموسة. وشدد المجلس على أن أي “تنازل أو تراجع” في هذه المعركة السياسية غير وارد، مؤكداً أن الهدف هو تثبيت المكتسبات التي تحققت في الميدان العسكري وتحويلها إلى أوراق ضغط سياسية قوية.
تعرف المزيد على: مفاوضات لبنان وإسرائيل.. هل تمتلك بيروت أوراقاً حقيقية بين مطرقة الحصار وسندان التسلح؟

لغز هرمز.. شروط الفتح المشروط والسيادة البحرية
أحد أكثر النقاط إثارة للجدل كان ملف مضيق هرمز، حيث أوضح مجلس الأمن القومي الإيراني أن فتح المضيق ليس شيكاً على بياض، بل هو إجراء مؤقت ومشروط بوقف إطلاق النار في كافة الجبهات، بما فيها لبنان. وأكد المجلس أن العبور يقتصر على السفن التجارية فقط، مع استمرار الحظر الكامل على السفن الحربية التابعة لـ “الدول المعادية”.
هذا التوضيح جاء رداً على انتقادات لاذعة من وكالات فارس وتسنيم التي وصفت تصريحات وزير الخارجية بأنها “سيئة وناقصة” وأثارت غباراً من الغموض. وبناءً عليه، وضع مجلس الأمن القومي الإيراني قواعد صارمة تشمل الحصول على معلومات كاملة عن السفن وفرض رسوم أمنية وبيئية، مشدداً على أن أي محاولة أمريكية لفرض حصار بحري ستُعتبر خرقاً للهدنة ستؤدي فوراً إلى إغلاق المضيق مجدداً.
قد يعجبك: جنوب نهر الليطاني.. نيران فوق الميدان ودبلوماسية في واشنطن، فهل تحسم إسرائيل المعركة؟

صراع الأجنحة وغموض القيادة العليا
رغم محاولات التهدئة، إلا أن الانقسام الداخلي يعكس صراعاً أعمق بين التيار المتشدد في “الحرس الثوري” وبين الجهاز الدبلوماسي. فبينما يطالب نواب في البرلمان باستجواب عراقجي واتهامه بتهدئة أسواق النفط العالمية على حساب مصلحة بلاده، يرى آخرون أن الدبلوماسية تعمل وفق استراتيجية “العزة والمصلحة والحكمة” التي رسمها المرشد.
إن إدارة هذا الصراع في ظل تقارير استخباراتية تشير إلى إضعاف منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية يضع مجلس الأمن القومي الإيراني في وضع لا يحسد عليه. وتتحدث تقارير غربية عن تعقيدات في قنوات التواصل بين مراكز القرار، خاصة مع الغياب العلني للمرشد الجديد مجتبى خامنئي، مما فتح الباب أمام اجتهادات وتصريحات متضاربة من عمدة طهران ووزراء سابقين، تزيد من حالة الارتباك في الشارع الإيراني.
اقرأ كذلك: إغلاق مضيق هرمز.. إيران تشعل فتيل المواجهة وتتحدى الحصار
الآفاق المستقبلية.. هل تصمد الجبهة الداخلية؟
لا يقتصر دور مجلس الأمن القومي الإيراني الآن على إدارة المفاوضات الخارجية فحسب، بل يمتد ليشمل تثبيت الجبهة الداخلية ومنع تفكك الخطاب الرسمي. يتوقع المحللون أن تشهد الأيام القادمة تعيين متحدث رسمي للمجلس لإنهاء حالة “الحيرة والغموض” التي طالبت بها الأوساط الإعلامية المقربة من العسكر.

وفي ظل التهديدات المستمرة وتحشدات القوى الدولية في مياه الخليج عام 2026، تظل قدرة مجلس الأمن القومي الإيراني على المناورة هي الاختبار الحقيقي لبقاء النظام في وجه الضغوط المزدوجة. ورغم صيحات التشدد التي يطلقها نواب مثل محمود نبويان، يبقى القرار النهائي في “غرفة العمليات” التي تسعى جاهدة للموازنة بين طموحات الميدان وضرورات الطاولة، في ظل حرب استنزاف لم تعد ترحم أحداً.






