أبعاد التناقض الدبلوماسي بين أبوظبي وتل أبيب برزت بشكل مفاجئ كأحد أعقد الملفات السياسية في مايو 2026، وذلك عقب إعلان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن قيامه بزيارة سرية لدولة الإمارات العربية المتحدة وعقده لقاءً مع رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان خلال فترة التصعيد والجهد العسكري المعروف بإسم “عملية الأسد” ضد إيران.
ولم تمضِ ساعتان على هذا الإعلان الرسمي الإسرائيلي حتى أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية بياناً حازماً ونفت فيه حدوث هذه الزيارة بشكل قاطع، بل ورفضت استقبال أي وفد عسكري على أراضيها، مما عكس فجوة كبيرة في إدارة الملفات المشتركة بين الطرفين.
وأكدت الخارجية الإماراتية أن العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل تتحرك في إطار علني واضح يستند إلى بنود “اتفاقيات أبراهام” الموقعة في سبتمبر 2020، وليست مبنية على صفقات سرية أو كواليس غير معلنة، مشددة على أن أي مزاعم حول لقاءات خلف الأبواب المغلقة لا تملك أي أساس من الصحة ما لم تصدر عن المنصات الرسمية للدولة.
دوافع الإعلان الإسرائيلي
ترتبط أبعاد التناقض الدبلوماسي بين أبوظبي وتل أبيب بالتعقيدات السياسية العميقة داخل البيئة الحزبية والانتخابية في إسرائيل، حيث يواجه نتنياهو ضغوطاً متزايدة من المعارضة التي تسعى لحل الكنيست وتقديم موعد الانتخابات البرلمانية لتجرى في سبتمبر بدلاً من أكتوبر 2026.
ويرى المحللون السياسيون وساسة الاستخبارات السابقون مثل “جاك نيريا” أن تسريب وتأكيد خبر الزيارة من قبل مكتب رئيس الوزراء مباشرة دون المرور بالقنوات الإعلامية والأمنية التقليدية كان يهدف بالدرجة الأولى إلى دغدغة مشاعر الناخب الإسرائيلي وصناعة انتصار دبلوماسي وهمي يتجاوز به الإخفاقات الاستراتيجية في ملفات غزة ولبنان وإيران.
وجاء هذا الإعلان الإسرائيلي المتسرع ليوحي للرأي العام الداخلي بأن تل أبيب ليست معزولة إقليمياً، وأن القادة العرب يستمرون في التنسيق وبناء التحالفات العسكرية معها حتى في أوج الأزمات الحرجة، وهو ما اعتبرته الأوساط السياسية محاولة لتوظيف العلاقات الخارجية لخدمة مصالح حزبية ضيقة ومكاسب انتخابية وشيكة.

أسباب النفي الإماراتي
تتجلى أبعاد التناقض الدبلوماسي بين أبوظبي وتل أبيب في رغبة الإمارات الصارمة في حماية استقلال قرارها السياسي الإقليمي والنأي بنفسها عن التجاذبات الداخلية الإسرائيلية التي يحاول نتنياهو فرضها.
وأوضح الأكاديمي والباحث الاستراتيجي “أندرياس كريغ” أن أبوظبي ترفض تماماً أن يتم تصويرها كحليف تابع أو كشريك سري في جبهة عسكرية مفتوحة ضد طهران، خاصة أن تسريب مثل هذه اللقاءات في هذا التوقيت الحرج قد يرفع من حدة التوترات الأمنية المباشرة مع إيران ويهدد المنشآت الاقتصادية الحيوية في الخليج.
وتسعى الدولة إلى تسيير شراكتها مع إسرائيل في مسارات محددة تشمل مجالات التكنولوجيا المتقدمة والدفاع الصاروخي والاستخبارات وتوطيد الروابط مع واشنطن، ولكن دون أن تظهر بمظهر الداعم لسياسات نتنياهو، مما جعل النفي الرسمي بمثابة درع واقٍ للحفاظ على توازن العلاقات الإقليمية وصورتها أمام الرأي العام العربي.

التعاون العسكري والتسريبات
تتأثر أبعاد التناقض الدبلوماسي بين أبوظبي وتل أبيب بالتسريبات الاستخباراتية المتلاحقة التي نشرتها وسائل إعلام أمريكية وعالمية بارزة مثل صحيفة “وال ستريت جورنال” وشبكة “أكسيوس” حول طبيعة الدعم الأمني المتبادل.
وأكد السفير الأمريكي لدى إسرائيل “ميك هوكابي” صحة التقارير التي أشارت إلى قيام تل أبيب بإرسال منظومات الدفاع الجوي “القبة الحديدية” مع طواقمها الفنية والتشغيلية إلى الإمارات للمساعدة في تأمين الأجواء خلال فترة الصراع الأخير مع إيران.
وتزامنت هذه الأنباء مع تقارير أخرى تحدثت عن قيام القوات الجوية الإماراتية باستهداف مصفاة نفط في جزيرة لافان الإيرانية في أبريل الماضي، وهي أنباء لم تؤكدها أو تنفها أبوظبي رسمياً، مما يوضح أن التعاون الاستراتيجي يتحرك في مسارات معقدة وحساسة للغاية بعيداً عن الصخب الإعلامي.
لمعرفة المزيد: مراكز القوى في النظام الإيراني 2026.. من يمسك بزمام القرار في طهران خلف الستار؟

تجاوز الخطوط الحمراء المتفق عليها بين الطرفين
إن استمرار أبعاد التناقض الدبلوماسي بين أبوظبي وتل أبيب يعكس غضب واستياء القيادة السياسية في الإمارات من تصرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي التي وصفت بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء المتفق عليها مسبقاً.
ويرى الخبراء في معهد “كينغز كوليدج لندن” أن الدبلوماسية السرية وبناء التفاهمات بعيداً عن وسائل الإعلام المفتوحة تعد ركيزة أساسية لإدارة المصالح في الشرق الأوسط، وأن قيام نتنياهو بالتضحية بسرية هذه التفاهمات من أجل إنقاذ مستقبله السياسي يمثل طعنة لثقة الشركاء الإقليميين.
إن تسييس العلاقات الأمنية الحساسة يحول التعاون الاستراتيجي المفيد إلى عبء سياسي ثقيل، مما يجبر الدول على اتخاذ مواقف علنية حاسمة ومشددة لإعادة ضبط المسارات وحماية مصالحها القومية العليا من الاندفاعات غير المحسوبة للحكومة الإسرائيلية الحالية.
قد يهمك:قمة ترامب وشي جين بينغ المرتقبة في الصين وآفاق التعاون في ظل الأزمات العالمية

صياغة المشهد الإقليمي الجديد
يظهر أن أبعاد التناقض الدبلوماسي بين أبوظبي وتل أبيب ستعيد صياغة آليات التعامل الدبلوماسي والأمني المشترك بين إسرائيل والدول الموقعة على اتفاقيات السلام طوال عام 2026.
إن الحفاظ على التوازن بين المتطلبات الدفاعية الاستراتيجية وبين توازنات الرأي العام العربي العام يمثل التحدي الأكبر لسيناريوهات السلم الإقليمي في المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية المعقدة في المنطقة.
وستبقى قدرة الدول على الفصل بين التعاون المؤسسي وبين المواقف السياسية الفردية للقادة هي المعيار الحقيقي لاستمرار هذه الاتفاقيات، مما يتطلب من تل أبيب إدراك أن بناء الثقة مع المحيط العربي لا يمكن استغلاله كأداة للدعاية الانتخابية دون دفع أثمان سياسية باهظة على الساحة الدولية.






