ثمة جيل مرَّ على تاريخنا المعاصر، لم تكن ولادته مجرد رقم في سجلات الزمن، بل كانت لقاءً فريداً بين أصالة الأرض وصرامة المنهج العلمي. إن الحديث عن عبقرية جيل الستينات في الصومال يأخذنا إلى رحلة في أعماق الهوية، حيث لم يخرج هؤلاء الطلاب من فراغ حضاري أو فقر ثقافي كما يروج البعض، بل جاؤوا من رحم مدنٍ عريقة ضاربة في التاريخ، ومن بيئاتٍ مشبعة برائحة البحر وصمود الجبال. هؤلاء الذين التحقوا بالمدارس في تلك الحقبة، لم تستقبلهم الفصول الدراسية كصفحات بيضاء، بل كدفاتر عتيقة كُتبت بمداد المطر وحُفظت في ذاكرة السهول. لقد عاشوا في كنف طبيعة لم تُنهكها الحداثة بعد، فكانوا يعرفون لغة الأشجار وأسماء النجوم قبل أن يقرؤوا عنها في كتب الأحياء أو الفلك.
الفطرة التي سبقت المنهج العلمي
يتصدر المشهد في فهم هذا الجيل حقيقة أنهم كانوا “علماء بالفطرة” قبل أن يصبحوا “علماء بالشهادة”. والحقيقة أن عبقرية جيل الستينات في الصومال تجلت في قدرتهم المذهلة على ربط دروس العلم بتجاربهم اليومية؛ فلم تكن دراسة التشريح غريبة على شابٍ سلخ الجلود وعرف مواضع القلب والكبد في مواشيه، ولم يكن علم النبات طلسماً لمن ميز بين الشجر المثمر والسام في براري الصومال الواسعة.
هؤلاء الشباب قدموا من سواحل ذكرها “هيرودوت”، ومن حواضر علمية تجاور فيها الفقه مع الحكمة، واللغة مع الفلك. لم يكونوا طالبي عمل فقط، بل كانوا في الوقت ذاته منشغلي أسئلة الكون التي ولدوا بها بين أودية مراعيهم. وعليه، يتضح أن العبقرية التي امتلكها جيل الستينات من القرن الماضي في الصومال لم يكن نتيجة الصدفة، بل كانت حصيلة مناخ منحهم البصر وال
لمعرفة المزيد: صناعة المحتوى الرقمي.. كيف أصبح طبيب أسنان متقاعد نجماً عالمياً؟

الموسوعية والارتباط بالهوية الوطنية
تعود جذور التميز لدى هذا الجيل إلى “الموسوعية” التي طبعت شخصياتهم؛ فالواحد منهم كان يحفظ الشعر المرتجل ويستدل بالنجوم في عتمة الليل دون حاجة لبوصلة أو ساعة. إن عبقرية جيل الستينات في الصومال تمثلت في قدرتهم على استيعاب العلوم الحديثة باللغات الأجنبية دون أن يفقدوا صلتهم بالقاموس الحي الذي يحملونه في ذاكرتهم. لقد كانوا يقرؤون الوقت من ظل الشمس، ويفهمون تقلبات الفصول من برودة النسيم، فكان العلم بالنسبة لهم مجرد “إعادة تنظيم” لما عرفوه بالخبرة والممارسة.
قد يهمك: هل تنجح قرارات تيسير تكاليف الزواج في حماية الشباب الصومالي من الفساد الاجتماعي؟
بالاستناد إلى التقرير المنشور عام 2026، كانت الجمهورية الصومالية قد انتخبت هؤلاء الموهوبين من خلال “حاجة وطنية” ضاغطة، ولم يكن أي منهم يتأوه بشكوى التخصص، نظرًا لأنهم كانوا يتمتعون بصلابة نفسية واستقلالية ذاتية. فقد كانت العبقرية الصومالية لجيل الستينيات لا تعتمد فقط على الاستشهادات والاقتباسات، بل كان تستعرض أجواف الكتب وتتابع التطورات العالمية حتى يمكن لها أن تعود إلى ديارهم بعقول تحمل خرائط حية وتجارب ثرية صقلتها الغربة والمثابرة.

اقرأ كذلك: اليوتيوبر الصومالي جوني ينهي مغامراته في سجون سيول.. حين يتحول المحتوى المستفز إلى زنزانة
التحول من التجربة إلى النظرية

وقد لا تنحصر الآثار التي نتجت عن هذه الفئة الشابة في المجال التعليمي فحسب، وإنما تميزت أيضاً بالآثار الاجتماعية الهامة التي تركتها. والشيء المذهل في هذه الحالة هو امتلاك العبقرية لدى فئة الستينات في الصومال، والذي سمح لهم بإعادة تعريف ما كان تاريخياً من الأساس، وإعطاء الأشياء أسماء جديدة وإيجاد الرواب وبما أن الظروف قد تغيرت وبسبب التدمير الذي حل بالأرض الزراعية والبادية خلال العقود الأخيرة.
وفي ختام هذا البحث المتواضع، سيبقى الرهان على أن الروح التي تميزت بها تلك الجيل تكون عائدة. وبغض النظر عن التغييرات الجغرافية والديموجرافية التي أحدثتها الأزمة، فإن بحث العبقرية للجيل المتمرد في الصومال فقد كانوا “دفاتر خط المطر” وسيبقون دائماً المنارة التي نهتدي بها في سعينا نحو مستقبل علمي يعيد للصومال مجده الحضاري الممتد.






