رحلة جورجيا ميلوني تصدرت اهتمام وسائل الإعلام والدوائر السياسية الدولية في مايو 2026، حيث تُسلط الأضواء على المسيرة الاستثنائية لأول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في تاريخ إيطاليا، والتي قادت اليمين المحافظ للوصول إلى سدة الحكم لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.
وتولت ميلوني منصبها رسمياً في أكتوبر 2022، بعد أن قادت حزبها “إخوة إيطاليا” الذي أسسته عام 2012 لتحقيق قفزة تاريخية في الانتخابات البرلمانية، حيث حصد الحزب 26% من أصوات الناخبين مقارنة بـ 4.3% فقط في الانتخابات السابقة، مما منح تحالفها الأغلبية المطلقة في غرفتي البرلمان.
وبدأت ميلوني شغفها السياسي منذ مرحلة الدراسة الثانوية والجامعية، شاقةً طريقها وسط ظروف اقتصادية صعبة عاصرتها في طفولتها وشبابها المبكر، لتتحول من ناشطة محلية إلى القيادية الأبرز في المشهد الإيطالي المعاصر.
نشأة شعبية وشغل الوظائف البسيطة
ترتبط تفاصيل رحلة جورجيا ميلوني بالجذور الاجتماعية لبيئتها الأولى؛ حيث ولدت في يناير 1977 ونشأت في حي “غارباتيلا” الشعبي جنوب العاصمة روما، وهو معقل تاريخي للطبقة العاملة والتوجهات اليسارية التي لا يحظى فيها تيار ميلوني بالشعبية حتى اليوم.
ولم تتمكن ميلوني من الالتحاق بالجامعة النظامية نظراً لضعف الإمكانيات المادية، مما دفعها لدراسة اللغات الأجنبية في معهد محلي، وممارسة وظائف بسيطة ومتنوعة لتأمين مصاريفها، مثل العمل نادلة في المطاعم، ومربية للأطفال، وموظفة في النوادي الليلية.
وانخرطت جورجيا في العمل السياسي بإنضمامها لـ “الحركة الاجتماعية الإيطالية”، وهو تنظيم أسسه قادة سابقون في التيار الفاشي بعد سقوط موسوليني عام 1946 لمواجهة الصعود القوي لتيارات اليسار، قبل أن تتحول الحركة لاحقاً إلى “حزب التحالف الوطني”.
قد يهمك: هل تنجح قرارات تيسير تكاليف الزواج في حماية الشباب الصومالي من الفساد الاجتماعي؟

تصريحات مثيرة للجدل ومناصب مبكرة
يتكامل ملف رحلة جورجيا ميلوني مع المحطات الإعلامية الصادمة في مسيرتها؛ ففي عام 1996، وخلال مقابلة مع التلفزيون الفرنسي وهي في سن التاسعة عشرة، أطلقت تصريحات أثارت جدلاً واسعاً حين وصفت الزعيم الفاشي موسوليني بأنه “سياسي جيد فعل كل شيء من أجل إيطاليا”.
وعلى الرغم من إثارة تلك المقابلة للرأي العام، إلا أنها ساهمت في بزوغ نجمها السياسي داخل أروقة اليمين، لتتولى لاحقاً قيادة الحركات الطلابية، وتصبح أصغر وزيرة في تاريخ الحكومات الإيطالية عندما تولت حقيبة الشباب في حكومة برلسكوني بين عامي 2008 و2011.
السياسات الاجتماعية والتوجهات المحافظة
تتقاطع أبعاد رحلة جورجيا ميلوني مع المبادئ الفكرية الصارمة التي تتبناها؛ حيث اشتهرت بخطاباتها الحماسية التي تدافع عن الهوية القومية والعائلية التقليدية، معلنة رفضها الصريح لـ “أيديولوجيا مجتمع الميم”، وتأكيدها على حماية الحدود ووقف الهجرات الجماعية.
وضمت تشكيلتها الحكومية وجوهاً بالغة التحفظ، مثل وزيرة التخطيط العائلي “إيجينيا روسيلا” المناهضة للإجهاض وتبني الأطفال لغير العائلات الطبيعية، مما أثار حفيظة الكتل التقدمية، وعرض ميلوني لانتقادات بسبب قلة التمثيل النسائي في حكومتها بواقع 4 وزيرات فقط.
إقرأ كذالك: أبعاد المأساة الإنسانية في أفغانستان وكارثة الجوع

وعقب تمكنها من إحكام قبضتها على السلطة، سعت ميلوني لطمأنة الشركاء الدوليين بتبني شعار “الحكم الشامل للجميع”، مؤكدة التزام بلادها الكامل بالسياسات الخارجية الموحدة للاتحاد الأوروبي وتحالف الناتو، دون إحداث تغييرات جذرية في التحالفات الدولية.
الجوانب الشخصية وآفاق المستقبل السياسي
يظهر أن رحلة جورجيا ميلوني تحمل في طياتها تفاصيل شخصية فريدة شكلت وعيها؛ إذ تأثرت في طفولتها برواية “سيد الخواتم” للكاتب جيه آر آر تولكين، وكانت تحب تمثيل أدوار شخصياتها، وهي الروايات التي استلهمت منها قيم التحدي والمواجهة.

وستبقى حكومة ميلوني تحت مجهر المراقبة الإقليمية لعام 2026؛ فإما أن تنجح في الموازنة بين خطاباتها الشعبوية المحافظة وبين واقع الإدارة الاقتصادية المعقدة لإيطاليا، أو تصطدم بالأزمات الهيكلية لمنطقة اليورو وملفات الهجرة العابرة للحدود.






