هل تهز أزمة الصين اقتصاد اليابان؟ تتصاعد التوترات الدبلوماسية بين طوكيو وبكين على خلفية ملف أمن تايوان، لتتحول سريعاً من خلاف سياسي إلى اختبار اقتصادي حساس لثالث أكبر اقتصاد في العالم. فالعلاقات بين اليابان والصين ليست مجرد تبادل تجاري عابر، بل شبكة متداخلة من الاستثمارات وسلاسل الإمداد والسياحة والتكنولوجيا. وفي ظل هذا التشابك العميق، يبرز سؤال ملح: هل تهز أزمة الصين اقتصاد اليابان؟
السياحة أول المتضررين

أولى الإشارات السلبية ظهرت في قطاع السياحة، الذي كان يعوّل بشكل كبير على الزوار الصينيين. فقد دعت بكين مواطنيها إلى تجنب السفر إلى اليابان بعد تصريحات لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي ألمحت فيها إلى استعداد طوكيو للدفاع عن تايوان في حال تعرضها لغزو. هذا الموقف أثار غضب بكين وألقى بظلاله مباشرة على حركة السفر.
تشير البيانات الرسمية إلى أن عدد السياح الصينيين تراجع بنحو 45 بالمئة في ديسمبر مقارنة بالعام السابق، فيما انخفض إجمالي إنفاق السياح الوافدين بنسبة 2.8 بالمئة خلال الربع الأخير من العام، ليسجل 45.6 مليار دولار. ومع أن الاقتصاد الياباني حقق نمواً طفيفاً بلغ 0.2 بالمئة في الفترة نفسها، فإن التراجع في السياحة يعكس هشاشة التعافي. في هذا السياق، يزداد التساؤل إلحاحاً: هل تهز أزمة الصين اقتصاد اليابان؟
المتاجر الكبرى تحت الضغط
يمثل السياح الصينيون شريحة إنفاق مرتفعة، خاصة في المتاجر الكبرى التي تعتمد على مشتريات الملابس ومستحضرات التجميل المعفاة من الضرائب. وقد توقعت عدة سلاسل تجزئة انخفاض أرباحها التشغيلية بأكثر من 10 بالمئة على أساس سنوي خلال الأشهر الأخيرة. هذا التراجع لا يقتصر على أرقام المبيعات فحسب، بل يمتد إلى قطاعات الضيافة والنقل والخدمات، ما ينعكس على فرص العمل والإنفاق المحلي. وتقدّر بعض التحليلات أن تراجع السياحة الصينية وحده قد يقتطع ما بين 0.2 و0.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. أمام هذه المؤشرات، يعود السؤال: هل تهز أزمة الصين اقتصاد اليابان؟
التجارة وسلاسل الإمداد
بعيداً عن السياحة، تعتمد اليابان بشكل كبير على السوق الصينية لتصريف صادراتها من السلع الاستهلاكية والمكونات التكنولوجية. ورغم أن بيانات يناير أظهرت ارتفاعاً في الصادرات بنسبة 16.8 بالمئة، مع قفزة ملحوظة نحو الصين، فإن استمرار التوتر يهدد هذا الزخم.
تكمن الحساسية الأكبر في ملف المعادن النادرة، حيث تعد الصين مورداً رئيسياً لهذه العناصر الحيوية للصناعات التكنولوجية وأشباه الموصلات. أي قيود على تصديرها قد ترفع تكاليف الإنتاج وتؤخر عمليات التصنيع في الشركات اليابانية، ما يضغط على القدرة التنافسية. وهنا يتجدد التساؤل: هل تهز أزمة الصين اقتصاد اليابان؟
استثمارات وتحولات استراتيجية

تسعى حكومة تاكايتشي إلى احتواء التداعيات عبر حزم تحفيزية واستثمارات تقودها الدولة في قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تخفيف بعض الأعباء الضريبية لدعم الاستهلاك المحلي. كما عززت طوكيو تعاونها الاقتصادي مع الولايات المتحدة، معلنة تمويل مشاريع كبرى ضمن التزام استثماري ضخم.
غير أن هذه التحركات تعكس أيضاً محاولة لإعادة تموضع استراتيجي وتقليل الاعتماد المفرط على الصين، وهو مسار يتطلب وقتاً وتكاليف انتقالية مرتفعة. في ظل هذا التحول، يظل السؤال مطروحاً بقوة: هل تهز أزمة الصين اقتصاد اليابان؟
تحدٍ مزدوج أمام طوكيو
الاقتصاد الياباني يواجه معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقات تجارية قوية مع الصين من جهة، ومجاراة التحولات الجيوسياسية وتعزيز أمنه القومي من جهة أخرى. فالصين تمثل نحو ربع إجمالي الزوار الأجانب لليابان، كما تشكل سوقاً رئيسية للصادرات الصناعية. وفي المقابل، تسعى طوكيو إلى تنويع شراكاتها وتقوية سلاسل التوريد البديلة.
لمعرفة المزيد: إفريقيا جنوب الصحراء 2026.. تعافٍ حذر أم هشاشة مؤجلة؟
صورة خاتمة هل تهز أزمة الصين اقتصاد اليابان؟

التحدي لا يكمن فقط في تراجع السياحة أو احتمال تعطل الإمدادات، بل في تأثير حالة عدم اليقين على ثقة المستثمرين والشركات. استمرار الضبابية قد يدفع بعض الشركات إلى تأجيل قرارات توسع أو إعادة توزيع استثماراتها خارج المنطقة. وفي ختام المشهد، يبقى السؤال الذي يتردد في أروقة الاقتصاد والسياسة معاً: هل تهز أزمة الصين اقتصاد اليابان؟






