في الأسابيع الأخيرة، تحولت العاصمة مقديشو إلى ساحة صراع بسبب قرارات وصفت بأنها أخطر قضايا المرحلة: بيع الأراضي العامة في الصومال. أحداث دامية وقعت بعد عمليات إخلاء في أحياء هورسيد وتارابونكا، خلفت أربعة قتلى معظمهم من المدنيين، لتتحول القضية إلى أزمة حكم تهدد استقرار الدولة.
دماء على أرض الدولة
اندلعت الاشتباكات عندما أقدمت قوات أمنية على طرد السكان من بيوتهم بدعوى أن الأرض مملوكة للدولة ومطروحة للبيع. المفارقة أن المواجهة لم تكن بين الأهالي والسلطات فقط، بل بين الجيش والشرطة أنفسهم، ما عكس حالة الانقسام داخل المؤسسات الرسمية. سقوط الضحايا المدنيين صب الزيت على النار، وأعاد إلى الواجهة الجدل حول ملف بيع الأراضي العامة في الصومال.
رؤساء سابقون يرفعون الصوت
الاحتجاجات لم تتوقف عند حدود الشارع، بل وصلت إلى مكاتب السياسة. ثلاثة رؤساء سابقين شريف شيخ أحمد، عدي قاسم حسن، ومحمد عبد الله فرماجو أصدروا بيانًا مشتركًا وصفوا فيه ما يجري بأنه مزاد علني للوطن. وحذروا من أن الاستمرار في بيع الأراضي العامة في الصومال يمثل خيانة للشعب وانتهاكًا للدستور.
كما انضم نحو 97 نائبًا من غرفتي البرلمان للتحذير من خطورة التفريط في أراضٍ كانت مخصصة للمدارس والجامعة الوطنية، معتبرين أن تحويلها إلى مشاريع تجارية خاصة يحرم الأجيال المقبلة من حقوقه
أداة للولاء السياسي
يرى محللون أن القضية أكبر من كونها مجرد فساد عقاري، إذ تحولت أراضي الدولة إلى عملة سياسية بيد الحكومة. وبحسب دراسة لمعهد PeaceRep، فإن بيع الأراضي العامة في الصومال أصبح وسيلة لبناء شبكة ولاءات بين رجال الأعمال والطبقة الحاكمة، بدل أن تكون هذه الموارد سندًا للتنمية.
وهكذا غابت الشفافية، وحلت محلها سوق نخاسة سياسية، حيث تُباع الولاءات عبر سندات ملكية مشكوك فيها.
الجيش بين الحماية والقمع
الأكثر إثارة للجدل هو استخدام الجيش، الذي بُني لحماية المواطنين من الإرهاب، في تنفيذ عمليات الإخلاء. رئيس الوزراء السابق حسن علي خيري أعرب عن حزنه من أن الجنود الذين يفترض أن يدافعوا عن الشعب، صاروا يُستخدمون لإجبار الفقراء على مغادرة بيوتهم. هذا الاستخدام المنحرف للقوة الأمنية يكشف خطورة التحول من دولة حماية إلى دولة قمع.
انهيار الثقة وسيادة القانون
يرى خبراء أن الاشتباكات بين الجيش والشرطة نفسها تعكس حجم الفوضى القانونية. الباحث عبدالوهاب شيخ عبدالصمد حذر من أن بيع الأراضي العامة في الصومال يهدد ليس فقط المدنيين، بل سيادة الدولة نفسها. فكلما غابت المساءلة، زادت احتمالات العنف والفوضى.
سرقة ممنهجة بأدلة حقوقية
منظمات حقوقية عدة أكدت امتلاكها أدلة على تورط مسؤولين كبار في صفقات سرية لبيع مساحات واسعة من أملاك الدولة لرجال أعمال نافذين. هذه الممارسات وصفتها المنظمات بأنها سرقة منظمة تقوض ثقة المواطنين بالحكومة. ويخشى مراقبون أن يؤدي الاستمرار في بيع الأراضي العامة في الصومال إلى موجة نزوح جديدة تفاقم معاناة ثلاثة ملايين نازح يعيشون بالفعل في أوضاع مأساوية.
مستقبل غامض
في ظل هذه التطورات، يتساءل الشارع، هل سيستفيق الصومال قبل أن يُباع الوطن قطعة قطعة؟ محللون يحذرون من أن تآكل الثقة بين الدولة والمواطنين قد يفتح الباب مجددًا أمام الحركات المسلحة لتقديم نفسها كبديل عادل، مستغلة حالة الإحباط الشعبي.
تعرف المزيد: من سبتمبر 2025.. التأشيرة الإلكترونية في الصومال تدخل حيز التنفيذ
قضية بيع الأراضي العامة في الصومال لم تعد مجرد نزاع عقاري، بل مرآة تعكس عمق أزمة الحكم. ما يجري في مقديشو يختصر صورة أوسع: دولة تعاني من الفساد، مؤسسات تتآكل من الداخل، وشعب يفقد الأمل في العدالة. السؤال المطروح الآن: هل يمكن إنقاذ ما تبقى من سيادة الأرض قبل أن تصبح كلها في جيوب المتنفذين؟