عندما تستمر الحسابات بعد أصحابها، أثارت براءة اختراع حصلت عليها شركة “ميتا” جدلًا واسعًا في الأوساط التقنية والقانونية والاجتماعية، بعدما كشفت عن تصور يسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي لمحاكاة نشاط المستخدمين على منصاتها حتى بعد وفاتهم. الفكرة تقوم على إنشاء نموذج ذكي يتعلم من تاريخ الشخص الرقمي—منشوراته، تعليقاته، رسائله، وتفاعلاته—ليتمكن من تقليد أسلوبه في الكتابة والرد، وكأن الحساب ما زال يُدار من صاحبه. عندما تستمر الحسابات بعد أصحابها، ورغم أن الحصول على براءة اختراع لا يعني بالضرورة إطلاق الميزة فعليًا، فإن مجرد طرحها أعاد إلى الواجهة سؤالًا حساسًا: ماذا يعني أن يستمر الوجود الرقمي للإنسان بعد رحيله؟
كيف ستعمل التقنية؟

عندما تستمر الحسابات بعد أصحابها، تعتمد التقنية المقترحة على تحليل البيانات المتاحة للمستخدم داخل المنصة، وبناء نموذج لغوي يحاكي طريقته في التعبير والتفاعل. ووفق ما ورد في وثيقة البراءة، يمكن تفعيل هذه “النسخة الرقمية” عند غياب المستخدم مؤقتًا، أو بعد وفاته، بحيث ترد على الرسائل، وتتفاعل مع منشورات الأصدقاء، وربما تشارك في محادثات صوتية أو مرئية تحاكي نبرة صوته وأسلوبه، عندما تستمر الحسابات بعد أصحابها
هذا السيناريو قد يحمل أبعادًا تجارية واضحة، خاصة في حالة المؤثرين وصناع المحتوى الذين يعتمدون على حضور دائم للحفاظ على جمهورهم. لكن في المقابل، يثير الأمر تساؤلات أخلاقية عميقة: هل ما نراه امتداد حقيقي للإنسان، أم مجرد محاكاة باردة لآثاره الرقمية؟
بين الابتكار والحداد

بعض المختصين يرون أن مثل هذه التقنية قد تمنح عائلات المتوفين وسيلة تفاعلية للحفاظ على الذكرى. وجود “نسخة رقمية” قادرة على الرد والتواصل قد يخفف من وطأة الفقد لدى البعض، عندما تستمر الحسابات بعد أصحابها.
إلا أن خبراء في علم الاجتماع وعلم النفس يحذرون من آثار عكسية محتملة. فعملية الحداد تقوم على الاعتراف بالرحيل والتأقلم مع الغياب. استمرار الحساب في التفاعل قد يربك هذه العملية، ويخلق حالة من الالتباس العاطفي، إذ يتعامل الأصدقاء مع كيان يشبه الراحل دون أن يكون هو بالفعل، عندما تستمر الحسابات بعد أصحابها.
أسئلة قانونية معلّقة
إلى جانب البعد النفسي، تبرز قضايا قانونية معقدة تتعلق بملكية البيانات والخصوصية بعد الوفاة. من يملك حق تشغيل النسخة الرقمية؟ وهل يشترط وجود موافقة مسبقة وصريحة من صاحب الحساب؟ وماذا لو اعترضت العائلة؟
عندما تستمر الحسابات بعد أصحابها، هذه الأسئلة تكشف أن الهوية الرقمية لم تعد مجرد امتداد افتراضي للشخص، بل أصبحت جزءًا من إرثه، ما يستدعي أطرًا قانونية واضحة تنظم مصيرها.
مفهوم روبوتات الموت
تندرج هذه الفكرة ضمن ما يسمى بتقنيات “تخليد الذكرى الرقمية” أو “روبوتات الحزن”، وهي تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمحاكاة شخصية المتوفى. ورغم أن المصطلح قد يوحي بروبوتات مادية، فإن المقصود غالبًا برامج رقمية تتعلم من البيانات وتعيد إنتاج السلوك والأسلوب. تطور الروبوتات والأنظمة الذكية خلال العقود الماضية جعل من الممكن إنشاء نماذج قادرة على التعلم والتفاعل بواقعية متزايدة. ومع هذا التطور، لم يعد السؤال تقنيًا فقط، بل أصبح فلسفيًا: ما الذي يبقى من الإنسان إذا استمرت بصمته الرقمية في التفاعل بعد رحيله؟
بين الابتكار والحدود الإنسانية

بين الابتكار والحدود الإنسانية
عندما تستمر الحسابات بعد أصحابها، كما هو الحال مع أي تقنية ناشئة، تتصاعد المخاوف من إساءة الاستخدام، سواء عبر استغلال بيانات المتوفين لأغراض تجارية، أو خلق كيانات رقمية قد تُستخدم بطرق لا تعكس إرادة أصحابها. كذلك يعكس هذا التوجه مسارًا أوسع نحو الأتمتة، حيث تحل الأنظمة الذكية تدريجيًا محل البشر في مجالات متعددة.
لمعرفة المزيد: اتفاق نووي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب القوقاز
صورة خاتمة عندما تستمر الحسابات بعد أصحابها

في النهاية، يبقى الجدل مفتوحًا. هناك من يرى في الفكرة تطورًا طبيعيًا في عصر الذكاء الاصطناعي، وآخرون يعتبرونها تجاوزًا للحدود الأخلاقية. لكن المؤكد أن التكنولوجيا باتت تدفعنا لإعادة التفكير في مفاهيم الحياة، والهوية، والذاكرة—في زمن قد تستمر فيه الحسابات، حتى بعد أن يرحل أصحابها.و الذكاء الاصطناعي، عندما تستمر الحسابات بعد أصحابها.






